مايا إبراهيم تكتب : جورجيت جبارة… سيّدة الخطوة الأولى ونبض الباليه في هذا الشرق
في زمنٍ كانت فيه الرقّة تُحسب ضعفًا، والخطوة الراقصة تُرمى بالخفة، خرجت جورجيت جبارة ككلمةٍ نادرةٍ في قاموس الحضور. لم تكن مجرّد راقصة باليه، بل امرأة مشَت عكس التيار، ورسمت بجسدها الممشوق طريقًا للجمال والانضباط، وشرّعت أبواب الفن الراقي في بلادٍ تتقلّب على جمر السياسة والمجتمع.
من القدس إلى بيروت… ولادة الإيمان بالحركة
وُلدت جورجيت في القدس من أبٍ لبناني وأمّ إسبانية–فرنسية، وتفتّحت على أنغام الباليه في مصر، حيث تلقّت دروسها الأولى على يد المعلمة الألمانية فريدل نيكولز. هناك، بين خطوات محمود رضا وأنفاس نادية جمال، أدركت أن الرقص ليس زينة، بل فنٌّ سامٍ يُعاد به تشكيل الوجدان.
الخطوة الأولى في بلاد البدايات الصعبة
في خمسينات القرن الماضي، لم تكن بيروت قد عرفت الباليه كفن مسرحي راقٍ. كانت الساحة فارغة، تنتظر من يزرع فيها أول نبضة. فكانت جورجيت. في عرض “سندريلا” على مسرح الأونيسكو، وفي البث المباشر عبر شاشة التلفزيون، دخلت الباليه بيت اللبنانيين من دون استئذان… بخفّة ملاكٍ وحزم قائدة.
مدرسة من جسد وروح
عام 1964، أسّست جورجيت جبارة “المدرسة اللبنانية للباليه”، أول مدرسة من نوعها في الشرق الأوسط، لم تكن مجرّد صفوف تمارين، بل معبدًا صغيرًا تنمو فيه الروح كما الجسد، وتتربّى فيه الفتيات على الانضباط والجمال والكرامة. لم تكن المدرسة فقط لتعليم الرقص، بل لتعليم فلسفة الخطوة… تلك التي لا تنفصل عن الفكر والهوية.
ورغم الحرب التي خطفت المكان، استعادت جورجيت مدرستها كما تستعيد الأمّ طفلها الضائع، وأعادتها للحياة برائحة العرق والبخور الفني، لا بركام الماضي.
حين يرقص الشعر
في تجربة فريدة، مزجت جورجيت الباليه بالشعر العربي، وجعلت من الجسد العربي لغةً جديدة للشعر. قصائد نزار قباني وبدر شاكر السيّاب لم تُقرأ فقط، بل رُقصت، تحوّلت إلى صورة نابضة، وصار الشعر جسدًا، لا صوتًا فحسب.
امرأةٌ ضد النمط
لم تكن طريقها معبّدة. امرأة، راقصة، تؤسّس وتدرّب وتواجه المؤسسات الذكورية، في مجتمع يُسائل الجسد ولا يحاور الفكرة. لكنها لم تنتظر اعترافًا، زرعت صبرها وخطواتها على تراب لبنان، وراهنت على زمنٍ يفهم أن الرقيّ ليس ترفًا، بل مقاومة من نوع آخر.
التكريم ليس ختامًا
في 2022، كرّمها رئيس الجمهورية بوسام الاستحقاق اللبناني الفضي، كما خصّصت الجامعة اللبنانية الأميركية جناحًا لأرشيفها تحت اسمها. لكن كل ذلك لا يختصر سيرتها. فـسيرتها محفورة في أوتار العشرات من الراقصين والراقصات الذين تخرّجوا من مدرستها، وفي ذاكرة مدينةٍ لم تعُد كما كانت، لكنها لا تزال تحفظ جورجيت كما تحفظ الأغنية طيف مطربها الأول.
جورجيت جبارة… لا تُختصر
لا تكفي الكلمات لجورجيت جبارة. فهي ليست قصة نجاح، بل قصة إيمان عميق بأن الجمال قوّة، وأن الرقص مقاومة، وأن الخطوة الصغيرة قد تغيّر مجرى نهر.
في وجه الريح، رفعت جسدها كجذعٍ عموديّ لا ينحني، وعلّمتنا أنّ الفنّ، حين يكون صادقًا، لا يحتاج إلى صراخ… يكفيه أن يُخطو خطوته الأولى بثبات.
الإعلامية مايا إبراهيم





