مايا إبراهيم تكتب : رفعت طربيه… الممثل الذي يتنفّس المسرح

مايا إبراهيم تكتب : رفعت طربيه… الممثل الذي يتنفّس المسرح

ليس كل من اعتلى خشبة المسرح يُعتبر ممثلاً حقيقيًا. فبعضهم يعبر مرورًا عابرًا، وبعضهم يترك ظلالًا خفيفة، لكن رفعت طربيه لا يمرّ مرور الكرام، ولا يكتفي بترك ظلاله فقط، بل يملأ المكان بحضوره القوي، كأن المسرح يتنفس من صوته وحركاته، أو كأنه هو ذاته يستقي الحياة من روح الخشبة.

على مدار عقود طويلة، ظلّ المسرح هو ملعبه الحقيقي، ليس مكان عمل عابر، بل فضاء تزهر فيه مواهبه، ويتجلّى صدقه الفني بكل وضوح. هناك، يبدو مرتاحًا ومتوازنًا، يعرف تمامًا متى يقف، متى يصمت، ومتى يعلو صوته في اللحظة الدرامية الحاسمة. لا يفتعل، لا يصخب، ولا يستعرض؛ بل يمسك بخيط النص من بدايته، ويسير به بثبات وتركيز حتى نهايته، احترامًا للفن وللمشاهد.

رفعت طربيه من ذلك النوع النادر من الممثلين الذين يتعاملون مع المسرح كمسؤولية فكرية، لا كمهنة عابرة. يقرأ النص كما يُقرأ كتاب مقدّس، ويحفظ مشاهده كما يحفظ الشعر، ويقدّم الدور وكأنه يحاكي الحقيقة ذاتها، لا يكتفي بتمثيلها.

وفي عالم الأعمال التلفزيونية، حافظ على أداء رصين ومتوازن يعكس عمق تجربته الفنية دون تصنّع أو مبالغة، محافظًا على احترامه للفن والدراما.

لم تخلُ مسيرته من تقدير رسمي، فقد كرّمه رئيس الجمهورية جوزيف عون في احتفال خاص، تقديرًا لإسهاماته البارزة في المسرح والفن اللبناني، وهو تكريم يعكس الاحترام الكبير الذي يحظى به على الصعيد الوطني.

رفعت طربيه لا يلهث وراء الأضواء، لأنه يدرك أن نوره ينبعث من داخله. يكفي أن يقف على خشبة المسرح ليشعر الجمهور بوجود ممثل يعرف تمامًا ماذا يفعل، ولماذا هو هناك.

ومن أمثاله، باتوا نادرين على خشبة المسرح؛ أولئك الذين لا يمرّون عبورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا يشبه الشاهدة على زمنٍ كان فيه المسرح رسالة، لا مجرّد مهنة. قلائل هم، ولكنهم كفاية لتبقى الروح حيّة.

في النهاية، يبقى رفعت طربيه ذلك الصوت الهادئ الذي لا يخفت، والوقفة الثابتة التي لا تنحني. هو الممثل الذي يجعل المسرح ليس مجرد مكان عرض، بل مساحة يلتقي فيها الإنسان بذاته، ويتحدث بصمت عميق لا يحتاج للكثير من الكلمات. بين أضواء الخشبة وظلالها، يظل هو، بكل بساطة، الممثل الذي يتنفس المسرح ويمنحه الحياة بأدائه الصادق.
الإعلامية مايا إبراهيم