مايا إبراهيم تكتب : شارل نصّار… صانع الحياة من شظايا الحرب

مايا إبراهيم تكتب : شارل نصّار… صانع الحياة من شظايا الحرب

1. الحديد يتحول إلى حياة

في قرية رمحالا الوادعة بين تلال قضاء عاليه، ينبض متحف صغير بروح كبيرة. متحف لا يزخر بالمجوهرات أو اللوحات الزيتية الفخمة، بل يضجّ بشظايا القذائف، وقطع الحديد المنبعثة من رماد الحرب. هناك، يقف شارل نصّار، النحات اللبناني، كمن يحرس ذاكرة بلد ويحوّل وجعه إلى جمال نادر.

كبر نصّار في عزّ تحولات لبنان الدامية، فوجد نفسه في عمر مبكر وجهًا لوجه مع العنف. لم تكن الحرب بالنسبة له حدثًا عابرًا، بل تجربة شخصية مؤلمة—فقد جدته بقذيفة، وتركته الحرب يتيمًا من المعنى، لكنه أبى أن يكون شاهدًا صامتًا. فاختار أن يُمسك بأدوات الدمار نفسها، ليعيد تشكيلها في هيئة تماثيل تنبض بالحياة.

في محترفه، لا صوت للبارود، بل لصوت المطرقة وهي تطرق على الحديد برفق، وكأنها تعتذر منه. يحمل شارل كل شظية كما لو كانت جملة ناقصة من رواية طويلة، ويُعيد تركيبها لتُصبح راقصة، أو فلاّحة، أو طفلًا يلهو. بأسلوبه النحتي الفريد، استطاع أن ينزع عن هذه القطع المتفجرة هويتها العدوانية، ويمنحها روحًا إنسانية جديدة.

تماثيله لا ت??رخ، بل تهمس. لا تعكس مشاهد الحرب بقدر ما تشتهي عكسها—الفرح، البساطة، والطمأنينة. في متحفه المعروف بـ”متحف الشظايا”، يعرض نصّار أعماله كوثائق حية لذاكرة لا يريدها أن تُنسى، ولكن يريد أن يُغفر لها.

“أنا أكره الشظايا، لكنني أحبها أيضًا”، يقول نصّار في تناقض شفيف، يختصر فيه فلسفة فنه: مواجهة القبح بالإبداع، والخراب بالأمل. ففنه ليس مجرد نحت، بل فعل مقاومة راقٍ، وانتقام جمالي من العنف.

شارل نصّار لا يصنع تماثيل فحسب، بل يعيد تشكيل تاريخ لبنان من منظور شخصي وإنساني. هو فنان الصمت بعد العاصفة، ذلك الذي يقول الكثير دون أن يرفع صوته، مكتفيًا بأن يجعل الحديد يبتسم.

2. الفن كغفران للحديد

ليس من السهل أن تُحدّق طويلًا في شظية قذيفة. ثمة طاقة كامنة فيها، كأنها لا تزال تحتفظ بآخر صرخة أطلقتها قبل أن ترتطم بجدار، أو جسد، أو حياة. لكن شارل نصّار لم يحدّق فقط. لقد أصغى. وفهم. ثم أعاد تشكيل هذا الفهم في منحوتات تقول شيئًا يشبه الغفران.

في بلد عايش حروبه دون أن يحسمها، لا يزال الركام جزءًا من المشهد الطبيعي. أما شارل، فقرّر أن يحوّل هذا الركام إلى ما يُشبه قصيدة بصرية. كل تمثال من تماثيله، سواء أكان لامرأة تكنس مدخل منزلها أو لرجل يعزف على آلة موسيقية، ليس فقط عملًا فنيًا—بل استعادة رمزية لما ضاع. إنه يستخرج من الحديد المحروق ذاكرة ناعمة، كأنما يمنح الشظايا فرصة أخيرة لتروي قصتها ولكن بدون دم.

اللافت في تجربة نصّار هو هذا الإصرار على الحياة، لا عبر إنكار الحرب، بل عبر إعادة صياغتها. لا يُحطّم الشظايا، بل يضمّها كما هي، بتشوّهها وخدوشها وندوبها. يعاملها كمن يعانق شخصًا خرج للتوّ من المعركة. فالفن، في نظره، لا يجب أن يُجمّل الواقع بل أن يُطهّره.

“أكره الشظايا وأحبها”، قالها نصّار ذات مرة. وتلك العبارة كافية لتعكس مفارقة الإنسان اللبناني—ذاك الذي يشتم الحرب ويشتاق إلى لحظة هدنة معها. النحّات هنا ليس مجرد فنان، بل راوٍ غير محايد لتاريخ لم يُكتَب بعد، وربما لن يُكتَب إلا عبر التماثيل.

في متحف الشظايا، لا تصادف رعب الحرب، بل هشاشة السلام. التماثيل لا تُمجّد الصراع، بل تعترف به، ثم تتجاوزه. هي تذكّرنا أن الحديد ليس قدَرًا، وأن حتى المعدن الذي صُمِّم ليقتل، يمكن أن يُعيد التوازن إلى العالم إن مرّ بين يدي فنان.

هكذا، دون ضجيج، يقدّم شارل نصّار مشروعه الفنّي: مختبرًا للذاكرة، ومحرابًا للصفح، ومتحفًا للإنسان حين يرفض أن يُصبح شظية أخرى.

3. بين يدَي شارل، الحديد يتنفس

في صباح رمحالا الضبابي، يدخل شارل نصّار مشغله الصغير ويغلق الباب خلفه بهدوء. لا حاجة للضوء الصناعي، فشعاع الشمس الخافت يتسلل من الزجاج المكسور كأنه يعرف طريقه منذ زمن. يضع يده على قطعة صدئة من شظية قذيفة. يمرّر أصابعه عليها كما لو كان يتحسّس ندبة قديمة على وجه صديق قديم.

لا يتعامل شارل مع هذه الشظايا كمعدن. إنها بالنسبة له ذكريات، أحاديث ناقصة، أحلام انفجرت في منتصف الطريق. بعضها التقطه من مواقع اشتباك، وبعضها وُضع أمام بابه، كأنّ الحرب تقول له: “هاك، افعل بي ما تشاء.”

بالمطرقة والإزميل، يبدأ العمل. كل طرقة تحمل شيئًا من الغفران. لا يُحني الحديد بالقوة، بل بالإصغاء. هكذا تتحوّل شظية قاتلة إلى امرأة تُرضّع طفلها، أو عازف كمنجة في زقاق بيروتي، أو شيخ يتكئ على عصاه كما يتكئ على صبره.

هو لا يصنع تماثيل فقط. هو يُرمّم حكايات. يمنح الحديد ذاكرة مختلفة. لا يريد من تماثيله أن تُبهر، بل أن تُهمس. لا تسأل “من صنعني؟”، بل “ماذا كنت قبل أن أصل إليك؟”

في أحد زوايا المتحف، يقف رجل خمسيني بصمت. لا يلمس شيئًا، لا يلتقط صورًا. فقط يحدّق في تمثال لامرأة ترتدي ثوبًا بسيطًا، وتُمسك بيد طفل.

اقترب منه شارل، دون أن يقول شيئًا. طالما اعتاد هذه اللحظات.

قال الرجل أخيرًا، بصوت مخنوق:
“بتعرف… أمي كانت هيك تمسكني لما نركض عالملجأ. نفس الإيد، نفس الخوف… ونفس الهدوء.”
ثم ابتسم كمن تفاجأ من دموعه، وأضاف:
“ما كنت بعرف إنو الحديد ممكن يذكّرني بحنّية.”

هزّ شارل رأسه بخفة، وقال كمن يعرف الجواب منذ البداية:
“يمكن لأنو الألم، إذا نحتناه صح… بيصير أمومة.”

قبل أن يغادر الرجل، عاد ونظر إلى التمثال مرّة أخيرة. همس:
“شكراً، مش لأنّك صنعتها… بل لأنك سمحت إلها تعيش مرّة تانية.”

في الخارج، كان الضباب قد انقشع عن رمحالا. الشمس دخلت المتحف دون استئذان، وأضاءت وجوه التماثيل. الحديد ابتسم قليلًا.
وكأنّه هو أيضًا… تذكّر.
الإعلامية مايا إبراهيم