​الدراما.. شريك صامت في زيادة الطلاق: الرئيس يواجه وهم 'الرفاهية المستحيلة'

​الدراما.. شريك صامت في زيادة الطلاق: الرئيس يواجه وهم 'الرفاهية المستحيلة'

​بقلم/ عثمان الشويخ

​المجتمع كالجسد الواحد، لا يكتمل علاجه بالتركيز على السياسات والاقتصاد فقط، فإذا كان الاقتصاد هو شريان الحياة، فإن الوعي هو نبض القلب. من هذه الزاوية، جاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي لتؤكد أن ملف استقرار الأسرة المصرية لا يقل أهمية عن ملفات الأمن القومي. ولعل اللافت للنظر هو توجيه سهام النقد مباشرةً نحو "شاشة التلفزيون"، ذلك الصندوق السحري الذي يتحكم في مزاج الملايين، ليضع إصبعاً على واحدة من أخطر الأزمات الاجتماعية التي تواجهنا اليوم: تضخيم التوقعات وارتفاع معدلات الطلاق.

​60 عاماً من الوهم الملون
​الرئيس لم يتحدث عن دراما الموسم الحالي فقط، بل عن تاريخ تراكمي يمتد لستين عاماً، نجحت خلالها الكاميرا في زرع صورة معينة للحياة المثالية في وجدان المشاهدين. وكما قال الرئيس بحرفية:
​"بقالنا 60 سنة حاطين شكل معين من الفن نقدمه، والشكل ده أثر علينا من غير ما نحس، خلى وجداننا يفكر بالطريقة دي."
​هنا تكمن الخطورة، فالدراما لم تعد انعكاساً للحياة، بل أصبحت مُشكِّلاً للتوقعات. عندما تعرض المسلسلات بشكل مستمر السيدات في "فيلا" فاخرة أو "شقة غالية جدًا" في غير متناول ثلثي المصريين، فإنها ترفع سقف أحلام فتياتنا وشبابنا إلى درجة مستحيلة.

​مقارنة قاتلة تُشعل خلافات البيوت
​المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تقتنع الزوجة الشابة بأن حياتها يجب أن تكون نسخة طبق الأصل من حياة البطلة التلفزيونية، وينتهي بها الأمر إلى المقارنة القاتلة. وبلغة شديدة الوضوح، لخص الرئيس السيسي جوهر الأزمة الاجتماعية الناجمة عن هذا المحتوى:
​"هي نسب الطلاق زادت ليه؟... بتتفرجي على التلفزيون وبتتمني يكون بيتك زيهم، ولما بتتفرجي لا أنتِ راضية عن باباكي ولا عن جوزك."
​هذه الجملة تلخص مأساة جيل كامل؛ جيل يرى الكفاح والعرق عملاً لا يستحق التصوير، بينما يصور البذخ كحالة طبيعية. ونتيجة لذلك، يصطدم وهم الشاشة القاسية بواقع الشقة البسيطة أو الراتب المحدود، فتتحول آمال الزواج إلى خلافات، وتتزايد الأرقام الرسمية للطلاق عاماً بعد عام. لقد تحولت هذه القوة الناعمة من أداة للبناء إلى سبب مباشر في تفكيك الأسرة، حيث تتحطم أحلام الفيلات أمام صخرة الواقع المعيشي.

​رسالة واجبة لصناع القوة الناعمة
​إن حديث الرئيس هو في جوهره دعوة لإعادة توجيه البوصلة الفنية. الفن المصري هو بالفعل "قوة ناعمة"، لكنه عندما ينشر وهماً مادياً مبالغاً فيه، فإنه يتحول من قوة بناء إلى أداة هدم للروابط الأسرية.
​المطلوب اليوم من الدراما ليس إخفاء الفقر، بل تمجيد الكفاح، وتقديم نموذج للست المصرية التي "تكافح مع جوزها" وتصنع السعادة من أقل الإمكانيات، لا تلك التي تبحث عن السعادة في ماركات الحقائب وسيارات الدفع الرباعي. فبصلاح الأسر، يصلح المجتمع، والفن لا يملك ترف الحياد في معركة الوعي.