​حكايات الشويخ - الحكاية التاسعة: "زين العابدين (الإمام علي بن الحسين).. سليل النبوة وجبل الصبر"

​حكايات الشويخ - الحكاية التاسعة: "زين العابدين (الإمام علي بن الحسين).. سليل النبوة وجبل الصبر"

​بقلم عثمان الشويخ

​يا آلَ بَيتِ رَسولِ اللَهِ حُبُّكُمُ ** فَرضٌ مِنَ اللَهِ في القُرآنِ أَنزَلَهُ

يَكفيكُمُ مِن عَظيمِ الفَخرِ أَنَّكُمُ ** مَن لَم يُصَلِّ عَلَيكُم لا صَلاةَ لَهُ

​يا أهلاً بيكم في تاسع حكاياتنا الرمضانية.. حكايتنا النهاردة بجريدة (الأنباء الدولية) 

عن شخصية هي أصل من أصول الأنوار، وعنوان للصبر والعبادة، الإمام (علي زين العابدين).
​قبل ما نبدأ لازم نعرف القراء والمتابعين إحنا بنتكلم عن مين؛ هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
​الميلاد والنشأة.. غصن من شجرة طاهرة
وُلد الإمام علي زين العابدين في المدينة المنورة سنة 38 هجرية، في بيت جده الإمام علي بن أبي طالب.
 نشأ يشاهد عظمة والده الحسين وعمه الحسن، فتشرب منهم العلم والورع والتقوي.
هو علي بن الحسين، وأمه هي السيدة "غزالة" (ويُقال لها شاه زنان)، وهي من بلاد فارس، وكانت تُعرف بعفتها ووقارها.
 كان له إخوة استشهدوا في ملحمة كربلاء، منهم "علي الأكبر" و"عبد الله الرضيع"، ليكون هو الناجي الوحيد من أبناء الإمام الحسين في تلك الموقعة، ومنه ومن ذريته استمر نسل آل البيت الطاهر الممتد إلى يوم الدين.

​المظلومية الصامتة.. الناجي الوحيد من "الطف"
عشان ندرك حجم المعاناة والمأساة أيها القراء الكرام، الإمام علي زين العابدين كان حاضراً في كربلاء وشاهد بعينيه مقتل والده الإمام الحسين وإخوته وأعمامه على يد حثالة القوم كما ذكرنا في حكايتنا السابقة 
 
 لكن لحكمة إلهية، أصابه مرض شديد أقعده عن القتال، وحين أراد أن يخرج متكئاً على عصاه لنصرة أبيه، منعه والده الحسين قائلاً لأخته زينب: "رديه حتى لا تندثر وتنتهي ذرية رسول الله".
 لقد حماه الله بمرضه ليظل نسل النبي باقياً. تخيلوا حجم الوجع حين يُساق أسيراً مصفداً بالأغلال وهو يرى رؤوس أهله مرفوعة على سنان الرماح أمام عينيه، وهو ثابت كالجبل لا ينكسر.

​مواقف العزة في قصور الظلم
رغم الأسر، لم يكن زين العابدين ضعيفاً.
 حين وقف أمام عبيد الله بن زياد، قال ابن زياد بسخرية: "من هذا؟" فقيل: "علي بن الحسين"، فقال: "أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟". فرد الإمام بثبات: "قد كان لي أخ يقال له علي بن الحسين قتله الناس"، فقال ابن زياد: "بل الله قتله"، فقال الإمام: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾. فغضب ابن زياد وقال: "ألك جرأة على جوابي؟ اذهبوا به فاضربوا عنقه!". وهنا تعلقت به عمته زينب وقالت: "يا ابن زياد حسبك من دمائنا إنك لم تبق منا أحداً، فإن كنت عزمت على قتله فاقتلني معه!".

​خطبة دمشق.. الفضيحة التي هزت العروش
وفي الشام، طلب يزيد من الخطيب أن ينال من الحسين وأبيه علي، فقام الإمام زين العابدين وقال ليزيد: "يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد (المنبر)، فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا وهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب". رفض يزيد وقال: "إنه من أهل بيت قد زُقوا العلم زقاً، وإنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان". ولما صعد، خطب خطبة أبكت العيون وأوجلت القلوب، قال فيها: "أيها الناس، أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا.. أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء..".

 وظل يقول "أنا أنا" حتى ضج الناس بالبكاء، فخاف يزيد وأمر المؤذن أن يقطع عليه الكلام. ولما قال المؤذن: "أشهد أن محمداً رسول الله"، التفت الإمام ليزيد وقال: "محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدي فلِمَ قتلت عترته؟

​رسالة في التواضع وهيبة العلم
حابب أوصل رسالة للشباب اللي بيحب المظاهر والشهرة؛ سيدنا الإمام علي كان سيد أهل زمانه، ومع ذلك كان قمة في التواضع. 
الحكاية بتبدأ من مشهد مهيب في الحج، الزحام شديد وهشام بن عبد الملك بن مروان هو الخليفة ومش قادر يوصل للحجر الأسود. وفجأة، يظهر رجل عليه وقار العلم، وبمجرد ما يقرب، الناس تنشق له صفين بكل حب. هشام سأل بسخرية: "من هذا؟" كأنه ميعرفوش، فقام الشاعر الفرزدق ورد بقصيدته التي هزت التاريخ: (هذا الذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ.. والبيتُ يعرفُهُ والحِلُّ والحرمُ). وبسبب هذا الموقف سجن هشام بن عبد الملك الفرزدق، فأرسل له الإمام علي زين العابدين مالاً ليعينه في سجنه، ولما رفض الفرزدق وقال: "أنا فعلت ذلك لله ولقربتكم لرسول الله ولو كنت أريد مالاً لمدحت هشام"، رد عليه الإمام وقال: "إنا أهل بيت إذا أعطينا عطاءً لم نرجع فيه".
​عبادة السر وبركة آل البيت في مصر
لُقب بـ (السجاد) من كثرة سجوده، وبعد وفاته اكتشف أهل المدينة إن فيه مائة بيت كان بيوصلهم أكلهم بانتظام وميعرفوش مين اللي بيعمل كدة، ولما غسلوه لقوا علامات على ضهره من كتر ما كان بيشيل "شوالات الدقيق" بنفسه بالليل ويوزعها عشان محدش يشوفه! وإحنا هنا في مصر، بنعتز بفخر ملوش حدود إن بلدنا كانت الملاذ لآل البيت، ومسجد سيدي علي زين العابدين بالقاهرة شاهد على ذلك. 
ورغم إن الجسد الطاهر بالبقيع بجوار عمه الإمام الحسن، إلا إن مؤرخين زي (المقريزي) بيؤكدوا إن رأس ابنه الإمام "زيد بن علي" هي اللي استقرت في مصر ودُفنت في ضريحه بالمسجد.

​أخلاقه والرسالة الأخيرة
من مواقفه التي تدرس، أنه حين سبّه رجل في المسجد، مضى عنه ولم يكلمه، ثم ذهب إليه في منزله وقال له: "يا هذا، إن كان ما قلتَ فيّ حقاً فأستغفر الله، وإن كان باطلاً فغفر الله لك"، فبكى الرجل وقبّل رأسه وقال: "حقاً أنك ابن رسول الله".

 وتشير بعض المصادر بأن حياة الإمام انتهت بالسم في عهد الوليد بن عبد الملك الذي قال: "لا أنا إن بقي علي بن الحسين"، فمات مسموماً سنة 94 هجرية ودُفن في (البقيع) بجوار عمه الإمام الحسن.

​رسالة إلى الشباب والقراء:
الإمام زين العابدين هو الذي حول "المأساة" إلى "قوة"، وعلمنا أن القيمة الحقيقية للإنسان هي فيما يفعله في السر. اقرأوا عن كنوزه العلمية زي (الصحيفة السجادية)، واقرأوا عنه بعيداً عن الخوف من التصنيف المذهبي واعلموا أن محبته هي من صميم محبة جده المصطفى صلى الله عليه وسلم 

هذا هو هدفنا من هذه السلسلة؛ أن نقرأ جميعاً ونستفيد ونتعرف على هذه الشخصيات العظيمة التي ضحت بكل شيء لأجل بقاء هذا الدين موحداً. لقد اجتهدتُ قدر المستطاع ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، وأبذل قصارى جهدي لأجل أن تصلكم هذه السيرة العطرة بصدق وأمانة.
​سلامٌ على السجاد، سلامٌ على من حفظ لنا نسل المصطفى صلى الله عليه وسلم سلامٌ على الصابر المحتسب.
رمضان مبارك عليكم، واستنونا في الحكاية الجاية من حكايات الشويخ.