حكايات الشويخ - الحكاية الثامنة: "عقيلة بني هاشم.. السيدة زينب بنت الإمام علي" ​بجريدة الأنباء الدولية

حكايات الشويخ - الحكاية الثامنة: "عقيلة بني هاشم.. السيدة زينب بنت الإمام علي" ​بجريدة الأنباء الدولية

بقلم عثمان الشويخ

​يا آل طه لكم قلبي وروحي فداء.. ميلاد عزٍّ لنا يا قبلة للضياء
يا سيدتي يا زينب يا نورنا في الحياة.. حبكم فرض الإله وآلكم أهل النجاة

​يا أهلاً بيكم في الحكاية الثامنة من (حكايات الشويخ).

 بعد أن عشنا ملحمة استشهاد الحسين، نلتقي اليوم بمن حملت لواء هذه الملحمة على عاتقها، وحمت بكيانها ما تبقى من نسل النبوة.

 نتحدث عن "أم هاشم"، "المشيرة"، "رئيسة الديوان"، التي اختارت مصر مأوى لها فصارت مصر بها منورة..

 السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام، التي نزل في فضل بيتها قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهيراً﴾.

​الميلاد في بيت الوحي
​وُلدت السيدة زينب في السنة الخامسة للهجرة، وهي الابنة الكبرى للسيدة فاطمة الزهراء والإمام علي بن أبي طالب.

 سماها جدها المصطفى صلى الله عليه وسلم "زينب" على اسم ابنته الكبرى، لتنشأ في بيت هو أطهر بيوت الأرض، فنهلت الفصاحة من أبيها، والزهد من أمها، والعزة من جديها، فكانت "عقيلة" أي كريمة قومها وعاقلتهم.

​زينب في كربلاء.. جبل الصبر الذي لم يهتز
​لم تكن السيدة زينب مجرد شاهدة في كربلاء، بل كانت شريكة الحسين في نهضته. وحين اشتد الكرب، وقف الحسين يوصيها وصيته الخالدة: "يا أخيّة، تعزّي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون.."، فكانت نِعم الصابرة المحتسبة.
 قدمت في هذا اليوم أبناءها "عون ومحمد" ابني عبد الله بن جعفر الطيار، الذين استشهدوا بين يدي خالهم الإمام الحسين، فما صرخت ولا جزعت، بل وقفت بعز الهواشم.
​مواجهة الطغاة وحماية نسل النبوة
​حين اقتحم الأعداء الخيام وعلى رأسهم "شمر بن ذي الجوشن" وأرادوا قتل الإمام "علي زين العابدين" (وكان مريضاً لا يقوى على القيام)، رمت العقيلة بنفسها عليه وقالت بصوت زلزل الخيام: "والله لا يُقتل حتى أُقتل دونه"، فحمته بجسدها ليظل نسل الإمام الحسين وذرية آل البيت باقياً في الأرض.

​وقبل أن تصل العقيلة إلى الكوفة، كان هناك فصلٌ هو الأبشع في تاريخ البشرية؛ فبعد استشهاد الإمام الحسين، لم يكتفِ هؤلاء الحثالة من أشباه الرجال بقتله، بل ارتكبوا جريمة نكراء يندى لها جبين الإنسانية وتزلزلت لها السماوات. 
لقد أمروا خيولهم أن تدوس الصدر الشريف لسبط النبي وتهشم ضلوعه في مشهد يفوق بشاعة ما فعله قتلة الأنبياء من قبل.

​ولم تأخذهم مروءة ولا دين، فقام هؤلاء الأرذال بجز رؤوس الشهداء؛ رأس الإمام الحسين الشريف، ورؤوس أصحابه، ورؤوس ذرية آل بيت النبي، ورفعوها فوق سنان الرماح لتطوف بها البلاد وقيدوا النساء والحرائر من آل بيت النبي بالحبال وعلى رأسهم السيدة زينب وساقوهن سوق السبايا في طريق الآلام، ورؤوس أحبتهن تتقدمهن فوق الرماح، في موقف يدمي القلب ويفتت الصخر من هول فعل هؤلاء الحثالة الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم.
و​عشان نفهم هول وبشاعة وفظاعة ماحدث ومع  من  ارتكب هذا الجرم لم يكن على ظهر الأرض شخص بكفاءة ومكانة وعلم الإمام الحسين.. هو الوحيد المتبقي من "خمسة أهل الكساء".

 وفي المقابل، نجد مجموعة من أقذر وأحط البشر الذين تجردوا من كل معنى للإنسانية.
أنا الحقيقة لا أتخيل كيف لجيل عاش قريباً من زمن النبوة ٦٠ عاماً فقط على الهجرة أن يقف في مواجهة حفيد رسول الله لقد فعلوا به أفاعيل لا يفعلها إلا قتلة الأنبياء تماماً كما فعل بنو إسرائيل بسيدنا يحيى حين جزوا رأسه وقدموها  هديه لأحدي البغايا.
 هكذا اجتمع أرذل القوم ليرتكبوا أحط جريمة في التاريخ ضد سبط النبي.
ومولانا الإمام الحسين الشجاع الوفي الذي كان يردد 
ويقول 
إني لأ أري الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برمآ

ومرت السيدة زينب على مصارع الشهداء ولم تتمالك نفسها ووقفت تقول 
يا محمداه صلي عليك مليك السماء حسين بالعراء مقطع الأعضاء وبناتك سبايا إلي الله المشتكي وإلي محمد المصطفى وإلي فاطمة الزهراء وحمزه سيد الشهداء 
يامحمداه هذا حسين بالعراء تسفي عليه الصبا 
واحزناه واكرباه عليك يا ابا عبد الله اليوم مات جدي رسول الله 

يااصحاب محمداه هؤلاء ذرية المصطفى يساقون سوق السبايا حسين محزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والرداء 

ولقد ابكت ألفاظها وبلاغتها وكلامها الفصيح كل عدو وصديق حيث كان لكلامها الأثر العظيم في الإحساس بفداحة ما أقدم عليه أرذال القوم من فعلة شنعاء لا يمحو 
ذكرها إلي أن تقوم القيامة 

​وفي مجلس الكوفة، كان "ابن زياد" (ابن مرجانة) يجلس وبيده مخصرته عصاه يقلب بها ثغر  فم الإمام الحسين الشريف، الذي  طالما ارتوى ريقة بريق النبي صلى الله عليه وسلم 
ونظر إليها بشماتة قائلاً: "الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم".

 فانتفضت العقيلة وقالت: "الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه وطهرنا من الرجس تطهيراً، إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا يا بن مرجانة". 
ولما سألها: "كيف رأيت صنع الله بأخيك؟"، أجابت بشموخ: "ما رأيتُ إلا جميلاً، هؤلاء قوم كُتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم".

​الخطبة المزلزلة في مجلس يزيد
​وفي دمشق، حين جلس يزيد بن معاوية يترنم بأبيات الكفر:
"ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا.. جزع الخزرج من وقع الأسل"
"لأهلّوا واستهلّوا فرحاً.. ثم قالوا يا يزيد لا تُشل"
"لستُ من خندف إن لم أنتقم.. من بني أحمد ما كان فعل"

​وقفت العقيلة كأنها تفرغ عن لسان أبيها علي وقالت خطبتها التي خلدها التاريخ: 
"أمن العدل يا بن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء.. أن بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة
 فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا". 
بهذه الكلمات، حولت السيدة زينب الهزيمة العسكرية إلى انتصار روحي خالد.
​المجيء إلى مصر.. "يا أهل مصر نصرتمونا"
​بعد المأساة،وهول ما شهدت السيدة زينب في كربلاء اختارت "مصر" وجهة لها. 

وفي شعبان سنة 61 هجرية، دخلت السيدة زينب مصر، واستقبلها أهلها بدموع الشوق والمحبة عند "بلبيس". وحين رأت هذا الحب، دعت دعوتها الشهيرة: "نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، وجعل لكم من كل مصيبة مخرجاً ومن كل ضيق فرجاً".
​رئيسة الديوان والمشيرة
​استقرت في دار والي مصر "مسلمة بن مخلد الأنصاري" بالحمراء القصوى، وصار بيتها مقصداً للعلماء والمحتاجين، فكانت تُشير على الناس في أمور دينهم ودنياهم، ومن هنا لُقبت بـ "المشيرة" و"رئيسة الديوان"؛ لأن ديوان العلم والخير كان لا ينقطع من بيتها.
​تخليد الذكرى والارتباط الروحي
​عاشت في مصر أقل من عام، حيث لبت نداء ربها في رجب سنة 62 هجرية، ودفنت في حجرتها التي صارت مقاماً يقصده المحبون. 
المصريون لم يعتبروا السيدة زينب ضيفة، بل اعتبروها "صاحبة البيت"، وصار "مولد السيدة" عيداً للمحبين ومنارة للقيم النبوية.
​كلمة أخيرة:
​إن السيدة زينب علمتنا أن المرأة هي حارسة المبادئ، وأن قوة الكلمة قد تكون أمضى من حد السيف. فيا شبابنا، استلهموا من "أم العواجز" الحنان الممزوج بالقوة، واليقين الذي لا يتزعزع في عدالة الله. مصر ستظل دائماً محروسة ببركة دعاء السيدة زينب، وبحبنا الصادق لآل بيت النبي.
​لقد اجتهدتُ قدر المستطاع ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، وأبذل قصارى جهدي لأجل أن تصلكم هذه السيرة العطرة بصدق وأمانة.
سلام الله على العقيلة، الصابرة، المحتسبة، التي نورت القلوب قبل الديار.
​موعدنا يتجدد في الحكاية القادمة، وكل عام وأنتم بخير بمناسبة هذا الشهر الكريم.