​حكايات الشويخ - الحكاية السادسة: "الإمام الحسن المجتبى.. سبط النبوة وخامس الخلفاء" بجريدة الأنباء الدولية

​حكايات الشويخ - الحكاية السادسة: "الإمام الحسن المجتبى.. سبط النبوة وخامس الخلفاء" بجريدة الأنباء الدولية


بقلم عثمان الشويخ

​يا أهلاً بيكم في الحكاية السادسة من (حكايات الشويخ).

 اليوم نتحدث عن شخصية قد يجهل الكثيرون، شباباً وكباراً، قدرها الحقيقي وعلمها الغزير.
 سنتحدث عن "السيد" الذي أصلح الله به بين فئتين عظيمتين، خامس الخلفاء الراشدين، وأحد أصحاب الكساء الذين نزلت فيهم آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
 هو الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.
​قد يظن البعض أن الحسن والحسين توأم، لكن الحقيقة أن الإمام الحسن هو الابن الأكبر للإمام الغالب علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء، ولد في رمضان من السنة الثالثة للهجرة. ولأن ملحمة "الطف" واستشهاد الإمام الحسين في كربلاء أخذت قلوب الناس وعواطفهم، ربما غفل البعض عن "ملحمة الإصلاح" والعلم والسيادة التي عاشها الإمام الحسن.

​الميلاد والنشأة في حضن الوحي
حين وُلد، أراد والده الإمام علي أن يسميه "حرباً"، لكن جده المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: "لا، بل هو حسن". فنشأ في أطهر بيت، جده خير الخلق، وأبوه باب مدينة العلم الإمام الغالب علي بن ابي طالب، وأمه الصديقة الزهراء.
 لا عجب إذن أن يكون فقيهاً وعالماً يشار إليه بالبنان. كان يشبه جده النبي صلى الله عليه وسلم شبهاً كبيراً في الوجه والخلق، وكان النبي يحبه حباً يفيض على القلوب.
​مواقف نبوية ومكانة سامية وعظيمة 
لم تكن محبة النبي صلى الله عليه وسلم للحسن مجرد كلمات، بل كانت أفعالاً يراها الصحابة؛ ففي موقف مهيب، كان النبي يخطب على المنبر، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فلم يصبر النبي، فنزل من فوق المنبر وقطع خطبته وحملهما ووضعهما بين يديه وقال: "صدق الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، رأيت هذين فلم أصبر". وفي صلاته، كان النبي صلى الله عليه وسلم يسجد، فيرتحله الحسن (أي يركب فوق ظهره الشريف)، فكان النبي يطيل السجود جداً حتى يفرغ الحسن من حاجته، خشية أن يزعجه وهو في حضرة الله.

​آية المباهلة والشهادة الإلهية
وعندما نزل قوله تعالى في "آية المباهلة": ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين؛ فكان الحسن والحسين هما المقصودان بـ "أبنائنا"، وفي هذا تشريف وتكريم لا يدانيه تكريم، بأن جعلهم الله امتداداً للنبي وواجهة للإسلام في وجه أهل الكتاب.

​أحاديثه وعلمه
ورغم صغر سنه عند وفاة جده، إلا أن الحسن عقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث عظيمة، منها دعاء القنوت الذي علمه إياه النبي: "اللهم اهدني فيمن هديت.." وكان يقول: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر". وكان يروي عن أبيه وعن كبار الصحابة، حتى صار مرجعاً في الفقه واللغة، وأخذ عنه القراءة أكابر التابعين مثل عاصم وعطاء.

​خامس الخلفاء الراشدين (الحقيقة الغائبة)
يعتقد الكثيرون أن الخلافة الراشدة انتهت باستشهاد الإمام علي، لكن الحقيقة التاريخية والأحاديث المسندة تؤكد أن الإمام الحسن هو "خامس الخلفاء الراشدين". فقد بويع بالخلافة بعد أبيه، واستمر حكمه ستة أشهر هي المكملة لثلاثين سنة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" (رواه الترمذي).

 وبحساب السنوات من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، نجد أن الثلاثين سنة اكتملت تماماً بتنازل الإمام الحسن عن الخلافة في "عام الجماعة".

​مشروعه الإصلاحي وحقن الدماء
الإمام الحسن لم يكن ضعيفاً، بل كان يملك جيشاً قوياً وقادة عظاماً مثل قيس بن سعد، وكان قادراً على خوض حرب لا هوادة فيها، لكنه كان يملك "رؤية إصلاحية" تفوق المصالح الضيقة.

 قدم وحدة الأمة وحفظ دماء المسلمين على بريق السلطة، فكان صُلحه مع معاوية بن أبي سفيان علماً من أعلام النبوة وصدقاً لقول جده صلى الله عليه وسلم: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". وكما قال المؤرخون: "كان الحسن في صلحه كعثمان في جمعه للقرآن، وكأبي بكر في حروب الردة".

​المظلومية الصامتة.. وغدر "الطعن في المدائن"
رغم منزلته، واجه الإمام الحسن مظلومية كبرى؛ فبينما كان يستعد لمواجهة معاوية بجيشه في منطقة "المدائن"، انتشرت شائعات الفتنة، فثار بعض المتطرفين من جيشه (الخوارج) ضده، فانتهبوا خيمته وجذبوا بساطه من تحته في مشهد يدمي القلب. وبينما هو يحاول الخروج، غدر به رجل يدعى "الجراح بن سنان"، فطعنه بخنجر مسموم في فخذه طعنة غائرة وصلت للعظم، فصبر الإمام وهو ينزف جسدياً ونفسياً من غدر من يفترض أنهم جيشه، وهذا الغدر كان دافعاً له للصلح حقناً للدماء.

​قصة استشهاده بالسم (الرحيل المظلوم)
لم يترك خصوم آل البيت الإمام الحسن في حاله حتى بعد تركه للملك؛ فدبرت المكائد لقتله غيلة. وتروي المصادر التاريخية أن الإمام الحسن سُقي السم عدة مرات، وفي المرة الأخيرة كان سماً شديداً أثر في أحشائه حتى خرجت قطع من كبده من أثر السم. ودخل عليه أخوه الحسين عليه السلام يسأله: "يا أخي مَن سقاك؟" فقال الحسن في سمو أخلاقي منقطع النظير: "يا أخي، إن يكن الذي أظن فالله أشد نقمة، وإن لم يكن هو فما أحب أن يُقتل بي بريء". وظل يعاني حتى لقى ربه في سنة 50 هجرية، صابراً محتسباً شهيداً.

​أبناؤه وأبطال كربلاء
ترك الإمام الحسن ذرية من الأبطال الذين لم يتركوا عمهم الحسين وحيداً في كربلاء؛ فكان منهم القاسم بن الحسن، ذلك الشاب الذي وصفه الواصفون بأنه "كفلقة القمر" وبرز للقتال وهو يقول: "إن تنكروني فأنا ابن الحسن.. سبط النبي المصطفى والمؤتمن"، واستشهد بين يدي عمه.

 وكذلك عبد الله بن الحسن الذي استشهد وهو صبي يدافع عن عمه الحسين، وأبو بكر بن الحسن.
 أما ابنه الحسن المثنى فقد جُرح في كربلاء ونجا، ومن نسله الشريف جاء "السادة الحسنيون" الذين انتشروا في بقاع الأرض، ليظل نسل الحسن باقياً وشاهداً على بركة آل البيت.

​رسالة إلى الشباب والقراء:
هذا هو هدفنا من هذه السلسلة؛ أن نقرأ جميعاً ونستفيد ونتعرف على هذه الشخصيات العظيمة التي ضحت بكل شيء لأجل بقاء هذا الدين موحداً. لقد اجتهدتُ قدر المستطاع ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، وأبذل قصارى جهدي لأجل أن تصلكم هذه السيرة العطرة بصدق وأمانة.
​رمضان مبارك عليكم، واستنونا في الحكاية الجاية مع إشراقة جديدة من حكايات آل البيت.

​المراجع: التي تم الاعتماد عليها في المقال