حكايات الشويخ - الحكاية السادسة عشر: "جليبيب.. فقير الأرض الذي اهتز له عرش السماء"
القسم الثاني: نجوم في سماء الصحابة
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم: عثمان الشويخ
يا أهلاً بيكم في الحكاية السادسة عشر من حكايات الشويخ. لسه مكملين مع نجوم الصحابة "المنسيين" في ذاكرة الكثير منا، لكنهم "مشاهير" في السموات وعند الملأ الأعلى.
حكاية اليوم ليست حكاية عن بطل من سادة القوم، ولا عن فارس مشهور بسيفه من البداية، هي حكاية عن "جبر الخواطر" في أبهى صوره. حكاية "جليبيب"، اللي العالم كله شافه "ولا حاجة"، لكن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم شافه "كل حاجة".
إحنا بنحكي عنه عشان نتعلم إن قيمة البني آدم مش في "وجاهته" ولا شكله ولا ماله، قيمته الحقيقية هي هو "مين" عند ربنا وعند رسوله.
من هو جليبيب؟ (النسب والنشأة)
جليبيب رضي الله عنه، كان رجلاً من الأنصار في المدينة المنورة. والحقيقة إن التاريخ لم يذكر له نسباً طويلاً أو عشيرة تحميه؛ وقيل إنه كان حليفاً للأنصار من "بني ثعلبة"، لكن الحكمة من قصته هي إن جليبيب عاش "بلا عنوان" معروف، ليكون "الإسلام" هو قبيلته والرسول صلى الله عليه وسلم هو أهله وسنده.
كان رجلاً فقيراً جداً، ثيابه رثة، ليس له بيت يأويه ولا مال يعينه، وكان في مظهره بساطة شديدة (يعني شكله متواضع جداً وبه دمامة وغير وسيم بمقاييس الناس)، لدرجة إن بعض الناس في المدينة كانوا بيتحاشوه. لكن خلف هذا المظهر، كان يسكن قلب عامر بالإيمان، ونفس زكية لا تعرف إلا حب الله ورسوله.
كان جليبيب يمشي في طرقات المدينة غريباً، ليس "له ظهر" ولا عزوة، والناس تنظر له نظرة شفقة أو تجاهل. لكن النبي صلى الله عليه وسلم، المعلم الأول للإنسانية، كان ينظر له "بقلبه" وليس بعينه. النبي صلى الله عليه وسلم كسر كل القيود الطبقية لما قرب جليبيب منه، وكان بيلاطفه ويهتم بأمره، عشان يثبت للصحابة وللعالم كله إن "رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره".
أعظم موقف في "جبر الخواطر"
وفي موقف يهز القلوب من أعظم مواقف جبر الخواطر، النبي صلى الله عليه وسلم قرر يزوّج جليبيب، ذهب لأحد الأنصار وقال له: "زوّجني ابنتك"، الأب تهلل فرحاً وظن إن النبي بيخطبها لنفسه، فقال: "نعم ونعمة عين يا رسول الله"، فرد النبي بكل هدوء: "إني لست أريدها لنفسي.. إنما أريدها لجليبيب!".
الأب صُدم، والأسرة كلها ارتبكت: "تُزوّج جليبيباً؟!" وكادوا يرفضوا، لكن العروس المؤمنة التي سمعت الحوار من خلف الستر، خرجت وقالت جملة خلدها التاريخ: "أتردون على رسول الله أمره؟ ادفعوني إليه فإنه لن يضيّعني". وبالفعل تم الزواج ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها: "اللهم صُبّ عليها الخير صبّاً".
ماتخيلش جليبيب إن الدنيا هتضحك له كدة، ويدخل بيته عروس من أشرف البيوت. لكن وهو في عز فرحته، نادى منادي الجهاد لغزوة من الغزوات. جليبيب مسألش عن "شهر عسل" ولا طلب رخصة، ساب العروس وترك الدنيا وخرج يدافع عن دينه ونبيه، وكأن روحه كانت مشتاقة للقاء أعظم من لقاء الأرض.
مشهد الوفاء.. "لكني أفقد جليبيباً"
بعد المعركة، كان الصحابة بيعدوا الشهداء والمفقودين، والنبي صلى الله عليه وسلم سألهم: "هل تفقدون من أحد؟" قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً. فكرر السؤال، وهما يجاوبوا بأسماء المشاهير والفرسان. وهنا ظهر وفاء المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي لا يفرق بين غني وفقير، فقال "لكني أفقد جليبيباً.. اطلبوه في القتلى". النبي صلى الله عليه وسلم كان قلبه مشغول بالرجل الفقير الذي ليس له أهل أو عشيرة تذكره أو تسأل عليه.
بحثوا عنه ووجدوه في أرض المعركة، جليبيب كان لوحده، وحواليه سبعة من المشركين قتلهم قبل ما يستشهد. المشهد كان مهيباً كما ورد في "صحيح مسلم"؛ النبي صلى الله عليه وسلم وقف أمام جثته، وأخبرهم بفضل شجاعته: "قتل سبعة ثم قتلوه.. هذا مني وأنا منه.. هذا مني وأنا منه".
وهنا نأتي لأجمل مشهد وفاء، حيث وضع النبي صلى الله عليه وسلم جليبيباً على "ساعديه" (ذراعيه الشريفتين)، ويقول الراوي: "ليس له سكن إلا ساعدا النبي". وحفر له النبي صلى الله عليه وسلم قبره بيده، ووضعه فيه بدمائه كما هو، ليكون جليبيب هو الوحيد الذي كان سريره قبل القبر هو ذراعي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الخاتمة والرسالة
رسالة جليبيب لينا اليوم واضحة وصريحة: "لا تحكم على الكتاب من غلافه". جليبيب اللي كان ملوش مكان في مجالس الناس، كان له مكان على ساعدي النبي صلى الله عليه وسلم وفي الفردوس الأعلى.
الحكاية دي بتقول لكل واحد حاسس إنه "مهمش" أو "مظلوم" أو الناس بتبص له بقلة قيمة "ثق في ربك، واجعل صلتك بالنبي قوية، فميزان السماء يختلف تماماً عن ميزان الأرض". جليبيب مات غريباً عن الناس، لكنه عاش خالداً في قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم وقلوبنا.
لقد بذلت قصارى جهدي في جمع المعلومات وترتيبها والبحث عن الصحابة العظماء الذين يجهل سيرتهم للأسف الكثير منا، فإن كان من صواب فمن الله وإن كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه.
رمضان مبارك عليكم، واستنونا في الحكاية الجاية من حكايات الشويخ.





