زقورة اور فى العراق ...لمحة تاريخية
بقلم الدكتورة إيمان التميمى
دكتوراة فى فلسفة التاريخ فكر وحضارة إسلامية
الزقورات من اهم المعالم الحضارية والمعمارية واكثرها اثارة للتساؤل ،فقد عمد الباحثون والاثاريون الى محاولة الكشف عن غموض تلك الصروح ،واماطة اللثام عن جزء من اسرارها ،فقد كان الهدف من بناء الزقورات هدف ديني بحت، الغرض منه التواصل بين الارض والسماء بين الحاكم الاله والحاكم المدني في الارض كما كانت تجرى فيها طقوس مهمة، فضلا عن الشعائر والنذور وتتويج الملوك والاحتفال ببعض الأعياد ورأس السنة والزواج المقدس .
تعد زقورة اور من اقدم المعابد التي بقيت في العراق ،وهي تبعد نحو اربعون كم الى الغرب من مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار جنوب العاصمة بغداد ، واور هي من اقدم المدن السومرية التي تم انشاؤها في بلاد الرافدين منذ حوالي 5000 سنة ،وهي تقع في تل المقير جنوب العراق. وكانت عاصمة للدولة السومرية عام 2100 قبل الميلاد.
كانت مدينة اور الاثرية تعتمد على الثروة الزراعية فيها في ذلك الوقت ونظام الري المعقد الذي كان يحافظ عليه النخبة في المدينة وجعلها الملك سرجون العظيم جزء من الامبراطورية الأكدية حوالي عام 2250 قبل الميلاد ، وكانت مدينة بيضاوية الشكل وتقع على مصب نهر الفرات في الخليج العربي قرب اريدو إلا أنها تقع في منطقة نائية بعيدة عن النهر وذلك بسبب تغير مجرى نهر الفرات على مدى آلاف السنين الماضية، وتعتبر واحدة من أقدم الحضارات المعروفة في تاريخ العالم.
ذكرت مدينة اور بكتاب العهد القديم (التوراة) باسم (اور الكلدانية) باعتبارها موطن ابي الانبياء ابراهام (ابراهيم) عليه السلام الذي نشأ فيها قبل أن يهاجر مع عائلته منها، وكان مولده فيها في عهد النمرود بن كنعان، وهناك تضارب كبير في الروايات حول تاريخ ولادته وجميعها ينحصر في الفترة بين 2324-1850 ق.م حيث يرى الباحثون ان الحسابات القديمة تصل بين 50-60 سنة، وحسب رواية التوراة فإن إبراهيم ولد سنة 1900 ق.م ،وهي أقدم المصادر التاريخية في ذلك، وكان للنبي إبراهيم مكانة عالية من الاحترام في ثلاثة أديان عالمية كبرى هي اليهودية والمسيحية والإسلام، ففي اليهودية هو الأب المؤسس وهو العلاقة الخاصة بين الشعب اليهودي والله - وهو الاعتقاد الذي يستمد منه اليهود موقعاً فريداً باعتبارهم شعب الله المختار، وفي المسيحية يذكر بولس الرسول ان إيمان إبراهيم بالله جعله النموذج الأول لجميع المؤمنين،
المختونين وغير المختونين، وفي الإسلام ينظر إلى إبراهيم على أنه كان مسلماً وأنه الرائد الأول للمسلمين، الذين يعرفون ب"ملة إبراهيم" ، اما سبب تسميته بهذا الاسم حسب تقاليد الكتاب المقدس انها سميت على اسم منشئها ،لكن هذا التفسير يحتاج الى تدقيق وتفسير كون اور ترتبط بالنبي ابراهيم باعتبارها وطنه الاول الذي هاجر منه لاحقا الى ارض كنعان ،بيد ان بعض الباحثين يرون ان موطن النبي ابراهيم هو اورا قرب حران .
جاء ذكر مدينة اور في الكتاب المقدس فهي مسقط رأس النبي إبراهيم، و يُعتقد أنه عاش فيها في الألفية الثانية قبل الميلاد، وخلال أعمال التنقيب التي قام بها ليونارد وولي في أوائل القرن العشرين، وجد ختما أسطوانيا في المجمع المجاور لمعبد الزقوره يحمل اسم إبراهيم. وقاده هذا إلى الاعتقاد بأن المجمع، الذي يعود تاريخه إلى حوالي سنة 1900 قبل الميلاد، كان منزل النبي إبراهيم.
وطالما ان مدينة أور هي مسقط رأس النبي إبراهيم، فهي تعتبر موقعًا مهما لجميع الناس في جميع أنحاء العالم ولجميع الأديان، و أن زيارة هذا المكان مهم جدا للحج المسيحي، حيث جرت لسنوات مناقشة مقترح تحديد يوم واحد لإقامة الحج بين مدينة أور وكنيسة القيامة في القدس.
اشتهرت مدينة اور بمبنى الزقورة التي هي معبد للآلهة إنّينانا آلهة القمر، كما احتوت المدينة على ستة عشر مقبرة ملكية شيدت من الطوب واللبن، حسب ما ورد في الأساطير (الميثولوجيا) السومرية، فقد اهتم العراقيون القدماء بتكريم الهتهم فبنوا لها الابراج العالية والتي كانت اول اماكن العبادة التي عرفها الانسان، وتعتبر الزقورة واحدة من أقدم أفكار البناء المدرج في العالم، و تتألف من ثلاث طبقات فالرقم ثلاثة في العراق القديم من الأرقام المقدسة؛ إذ إن الجسد الإنساني فيه من كل شيء واحد أو اثنان، لكن لا يوجد ثلاثة ؛ فنُظر إلى أن هذا الرقم على أنه يرمز إلى ما وراء الطبيعة بشكل ما.
الزقورة كلمة اكدية معناها المكان المرتفع للغاية وجمعها الزقّورات، و يطلق عليها بالفارسية زيكورات ، والغرض من هذه التسمية هو المعابد الطينية الصلبة المدرجة والمرتفعة والمشيدة من الطين والآجر ،والتي كان يتم بنائها في بلاد بين النهرين وايضا في الهضبة الايرانية الغربية على يد العيلاميين على اشكال بيضوية او مستطيلة او مربعة .
تقع معظم الزقورات في بلاد ما بين النهرين وفي سوريا والعراق ثم إيران وتعتبر زقورة اورمن أشهر الزقورات عالمياً والتي تقع قرب مدينة الناصرية جنوب العراق، وزقورة عقرقوف قرب بغداد، ويذكر انه توجد ثمان وعشرون زقورة في العراق ،كلها تشترك في السّمات المعمارية الأساسية، كما يوجد في سوريا عدد منها، ويمكن ان ترى الزقورة في سهل الغاب السوري في محافظة حماة بين مدينة إبلا الاثرية في (العصرين الفخاري والبرونزي) وأفاميا (الهيلينية - بيزنطية) في شمال غرب سورية وكذلك الزقورات في مدينة ماري الأثرية على الفرات الأوسط في سوريا، وفي إيران يوجد اربع زقورات اشهرها زقورة جغا زنبيل في خورستان الأهواز.
بنيت الزقّورات في عصر السومريين والاكاديين والبابليين والاشوريين في العراق وسوريا ، يرجع بناء اولى الزقورات الى الملك السومري اورنمو(٢١١٢-٢٠٩٥ ق.م) مؤسس سلالة اور الثالثة واعظم ملوكها سنة 2100ق، واكملها بعده ابنه الملك شولكي (٢٠٩٥-٢٠٤٧ ق.م) وقد تناوب ملوك بلاد الرافدين على تجديد هذه الزقورة على مر العصور ، وبنى الملك بيلاسر الأول زقورتين ،و في نفس ذلك الوقت بنيت زقورة في نمرود ، وداوم الملك شلمنصر الثالث على العناية بترميمها ، وزود الملك سرجون الثاني الزقورة الموجودة في عاصمته الحديثة بمنحدرات صاعدة تلف حول الواجهة الخارجية بدلا من السلالم ، ولكن طالها الخراب والدمار حتى قام الملك البابلي نبونائيد في وقت الحضارة البابلية في القرن السادس قبل الميلاد، بترميمها واعادة بناء واجهة زقورة اور و زاد في ارتفاعها فجعلها سبعة مدرجات، كونها كانت عند السومريون مؤشرا أو درجا صاعدا إلى السماء .
عرفت زقورات متأخرة من أعمال التنقيب اثنتان منها مؤرختان من عصر حمورابي تقعان في ماري و كيش، كما بنى الكاشيون زقورة في دور كوريجا بالقرب من بغداد، و أقام الملك اوفتاش هوبان (1265 - 1245 ق.م) زقورة من طراز غير مألوف في شوجا زامبي جنوب السويس، و هذه الزقورة كانت ساحة قاعدتها في الأصل مربعة ،و شيد كل من الآشوريين و الآكاديين أبراج معابد في عواصم مدنهم ،والتي تعتبر دليلا على اعتناق الناس انذاك ديانات واسعة.
الزقورة مستطيلة الشكل تتراوح ابعادها بين (200-150 متر )،ويبلغ ارتفاعها خمس واربعون قدما ، شيّدت على قاعدة مربعة طول ضلعها اثنان واربعون متراً، ترتفع فوقها الطبقات المتعاقبة المتساوية الارتفاعات بمقدار ستة أمتار لكل طبقة، وهي صلدة ومبنية جميعها من اللبن، وقد كسيت من الخارج بطبقة سميكة من الآجر الأحمر المفخور المثبت، وبطريقة هندسية لافتة جداً، تُسمى بـ “طريقة السبط”.
كانت الزقورة بالأساس مكونة من ثلاث طبقات يرتفع فوقها معبد مخصص لعبادة كبير الهة المدينة الاله سين ،ويرتقي اليها بواسطة سلمين جانبيين وثالث وسطي ،وقد تطور بناء الزقورات على اربعة مراحل فقد كان بناء المعبد على الارض المنبسطة في عهدي العبيد الاول والثاني ،ثم اصبح يبنى على دكة بسيطة في طور العبيد الثالث ،ثم تطور الامر الى دكة مؤلفة من طبقتين في العصر الشبيه بالكتابي ،ثم الى ثلاث طبقات في العصر السومري ،ثم اصبحت فيما بعد تتكون من سبع طبقات في العهد الاشوري، وعلى اربع انماط منها المستطيل والمربع والمندمج والذي ياخذ شكل المصطبة العالية .
قلب الزقورة مصنوع من الطوب واللبن المُغطى بالطوب المحروق والموضوع عليه القار والقطران كل طوبة تزن حوالي خمسة عشر طناً، ويحتوي الطابق الاول على 720000 طوبة فقد كانت المواد البنائية المستخدمة في هذه الزقورة وكميتها مذهلة ، وكان المبنى اعلى منشآت المدينة بناء بحيث يمكنك ان تراه من على بعد اميال عدة كما ان المبنى كان ايضا مكان ليتم فيه تخزين المحاصيل الزراعية التي يسلمها الفلاحين للسلطة وتلقي المخصصات الزراعية للأفراد العاديين .
كان المعبد الواقع في اعلاها اهم جزء في الزقورة ،والذي لم يكن بإمكان أي شخص الدخول إليه، ولسوء الحظ لم يستطيع هذا المكان النجاة حتى عصرنا هذا ، بيد ان تنقيبات الجيولوجيين اوجدت بعض الاحجار الملساء ذات اللون الازرق والتي يعتقدون انها كانت جزء من الديكورات الخاصة بالمعبد
ان ارتفاع الزقورة الحالي ستة عشر متراً ونصف المتر، لكن ارتفاعها القديم، عند بنائها الأول، كان ستة وعشرين متراً ونصف المتر، لم يتبقّ من الزقورة الآن سوى الطبقة الأولى، وأجزاء من الثانية، أما الثالثة فغير موجودة، إلى جانب المعبد العلوي أيضاً الذي انهار، وذلك بسبب عوامل التعرية،
يميل بناء الزقورات إلى الداخل كلما ارتفع إلى الأعلى؛ ما يقترح على الناظر خدعة بصرية، ليبدو البناء أعلى من ارتفاعه الحقيقي، و تتخلل الزقورة الطلعات والدخلات، وهذه ميزة معمارية عراقية، كما أن فيها فتحات شاقولية تزيّن كل مبنى الزقورة، ومن كل جوانبها فتحات تسمى العيون الدامعة يراها السواح عندما يرفعون عيونهم للمشاهدة الى الاعلى، وهذه الفتحات الشاقولية ممتدة لهيكل تستخدم لاستخراج مياه الامطار وتصريفها كما يخرج منها ماء المطر عبر انابيب موجودة فيها .
تنشطت السياحة الداخلية والخارجية بسبب وجود الزقورة ،فقد كان السياح يأتون باستمرار من داخل العراق و خارجه، لزيارتها والاطلاع على معالمها الاثرية ، إلى جانب الزوار الأجانب، بعض الشركات الاستثمارية، والوفود من جنسيات متعددة، من ثمانية بلدان وكذلك زارها وفد من مسيحيي العراق والمغتربين، ضم أكثر من 200 شخص لإقامة قداس في مدينة أور ، وقد كان المسيحيون يأتون دائماً لإقامة قداديس واحتفالات دينية في هذه المدينة كونها موطن النبي إبراهيم الخليل عليه السلام ،وكذلك زارتها بعثات التنقيب الاجنبية ، منها بعثة تنقيبية أميركية من جامعة أستون بروك، برئاسة إليزابيث ستون، ، وقد عثر على طابع بريدي طابع بريدي عراقي فئة 2 فلسان صدر عام 1967 ضمن مجموعة السياحة العالمية يظهر فيه زقورة اور.
من الجدير بالذكر ان الاحداث التي حدثت عام 1991 م تعرضت فيها الزقورة لأضرار ناجمة عن نيران أسلحة صغيرة، وتعرض المبنى للإهتزاز من الانفجارات، ويمكن رؤية أربعة فوهات قنابل في مكان قريب، وجدران الزقورة مشوهة بأكثر من اربعمائة ثقب بسبب الرصاص.
اضيفت مدينة أور، ومن ضمنها الزقورة، إلى لائحة التراث العالمي عام 2016. كما أن ثمة إشرافاً من قبل منظمة اليونسكو عليها، وتجرى أعمال لتطوير المدينة وتأهيلها، كما أجريت عمليات صيانة لأحد معابدها من قبل بعثة إيطالية، وازدادت شهرتها والاهتمام بها خاصة بعد زيارة البابا المسيحي لها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1- طه باقر ،مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة
2- حسين فهد ، موسوعة علم الآثار .





