​عثمان الشويخ يكتب: الروح الرياضية وثقافة الاختلاف

​عثمان الشويخ يكتب: الروح الرياضية وثقافة الاختلاف


​قد يظن البعض أن "الروح الرياضية" مصطلح يقتصر على الملاعب والمنافسات، وأن ثقافة الاختلاف تنحصر في تقبّل فوز أو خسارة فريق. لكن الحقيقة أن الروح الرياضية أوسع وأعمق من ذلك بكثير؛ إنها فلسفة حياة، ومفتاح لبناء مجتمع سليم متسامح وقادر على احتواء تنوّعه.
​وعندما يُدرك المشجّع أن اختلافه في الانتماء الرياضي ليس سوى جزء من تنوّع أكبر في الحياة، فإنه يخطو خطوة نحو فهم أكثر نضجاً للواقع. فالاختلاف سنة كونية، وقاعدة راسخة في الوجود؛ يختلف الناس في معتقداتهم، وأفكارهم، واهتماماتهم، تماماً كما يختلفون في فرقهم المفضلة. وهذا التنوع هو ما يُثري الحياة ويجعلها نابضة بالحيوية.
​ولعل ما نعيشه اليوم من أجواء حماسية مع وصول منتخب مصر إلى نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية، واستعداده لمواجهة السنغال، يضعنا أمام اختبار حقيقي لتلك القيم. فمن المؤسف أن نرى البعض ينشغل بـ "ألوان الأندية" داخل صفوف المنتخب، فينتقد لاعباً أو يترصد لآخر لمجرد أنه ينتمي لنادٍ منافس. هذا "العجز عن تقبل الآخر" حتى ونحن نرتدي قميصاً وطنياً واحداً، هو جرس إنذار يكشف غياب الروح الرياضية الحقيقية عن بعض النفوس، ويؤكد أننا نشأنا للأسف على عقلية تفتقد لاستيعاب التعددية.
​وهنا يكمن الخطر الحقيقي الذي يمتد من المدرجات إلى أمن المجتمع ككل؛ فالطفل الذي يتربّى على رفض الآخر لمجرد اختلافه في فريق كرة، قد يكبر ليصبح فريسة سهلة للجماعات المتطرفة. إن عقلية "إما أن تكون معي أو ضدي" هي البيئة الخصبة التي ينمو فيها التطرف؛ حيث يبدأ الأمر بتعصب كروي أعمى، وينتهي بتبني أفكار إقصائية تهدد استقرار الدول وتفكك نسيجها المجتمعي. فمن لا يقبل "زميله" في تشجيع المنتخب، كيف له أن يقبل "شريكه" في الوطن إذا اختلف معه في فكر أو معتقد؟
​إن تقبّل فلسفة الاختلاف يُشبه تنوّع الأطعمة؛ فهل يمكن لأحد أن يتناول طعاماً واحداً طوال حياته؟ التنوع ليس رفاهية، بل ضرورة لتجديد الحياة وإثرائها، وكما يُقال: "لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع".
​إن مسؤولية نشر ثقافة التعدّدية وتقبّل الآخر لا تقع على عاتق الملاعب وحدها، بل تمتد إلى كل مؤسسات المجتمع. لذا، فإننا بحاجة ماسة إلى تحرك فعلي من خلال تنظيم مؤتمرات وندوات كبرى حول "ثقافة الاختلاف وتقبل الآخر"، تستهدف توعية الشباب بمخاطر الإقصاء. كما يجب أن تصبح هذه الثقافة جزءاً أصيلاً من مناهجنا التعليمية وكتبنا المدرسية؛ ليتعلم أطفالنا منذ الصغر أن الاختلاف غنى وليس صراعاً، وأن احترام الرأي الآخر هو أولى خطوات المواطنة الصالحة.
​إن غرس هذه القيم في نفوس الشباب – سواء من خلال الندوات أو المناهج أو الإعلام – هو الضمانة لبناء جيل قادر على حماية البلاد من الانقسام، ويقودها نحو مستقبل أكثر استقراراً وسلاماً، بعيداً عن نيران التعصب وظلام التطرف.