​عثمان الشويخ يكتب: هل ندفع ثمن "النظام العالمي الجديد" من دماء الملايين؟

​عثمان الشويخ يكتب: هل ندفع ثمن "النظام العالمي الجديد" من دماء الملايين؟

​لم تكن الحروب الكبرى يوماً مجرد صدام عسكري، بل كانت دائماً "مذبحة كبرى" تهدف لإعادة رسم وهندسة العالم. حين نقرأ وننبش في دفاتر التاريخ، نجد أن النظام الذي نعيشه اليوم قام على أنقاض قرابة ثمانين مليون جثة في الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥؛ أرواحٌ أُزهقت لترسم حدوداً جديدة. تلك الحرب التي راح ضحيتها نحو ٣٪ من إجمالي سكان كوكب الأرض حينها، لم تكن مجرد أرقام، بل كانت إعلاناً عن موت إمبراطوريات وولادة أخرى، تماماً كما سقطت من قبلها الدولة العثمانية بكل ثقلها، وبريطانيا التي "لم تكن تغيب عنها الشمس"، والاتحاد السوفيتي الذي تهاوى كقطع الدومينو.
​واليوم، نعيش ذات التفاصيل لمشهد مشابه لما كان يحدث قبيل الحرب العالمية الثانية، لكنه أكثر رعباً. فالمنظمات الدولية التي أُسست تحت شعار "حماية السلام"، كمنظمة الأمم المتحدة التي وقفت "كخيال مآتة" أمام إبادة الأطفال في غزة، أثبتت أنها ولدت ميتة، أو بالأحرى، ولدت لتكون "سيفاً مسلطاً" على رقاب الدول الضعيفة والمظلومين، بينما تفعل القوى العظمى ما يحلو لها دون رقيب وحسيب. والحديث الآن عن توجه "ترامب" وواشنطن لإنشاء "مجلس سلام" بديل ليس إلا محاولة لشرعنة "البلطجة الدولية" في ثوب جديد، يمنح الكبار حصانة مطلقة لانتهاك السيادة ونهب الثروات بعيداً عن أي موازين قانونية.
​خلف هذا الستار، تتحرك عقائد وأفكار لا تعرف الصدفة. فالأجندة الصهيونية التي يجاهر بها "نتنياهو" بخريطته التوسعية لما يسمى "إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات، ترتكز على معتقدات دينية محرفة وخاطئة، تتلاقى في أهدافها مع جذور فكرية للماسونية العالمية ترى في "النظام المنبثق من الفوضى" وسيلة للتحكم والسيطرة والوصاية. هؤلاء هم مهندسو الخراب الذين لا يبالون بحياة البشر؛ فبالنسبة لهم، الإنسان مجرد تفصيلة تقنية في مشروع السيطرة الكوني.
​إلا أن دوام الحال من المحال؛ فواشنطن التي تحاول الهروب من تصدعاتها الداخلية عبر نشر الدمار في الشرق الأوسط وحصار إيران، قد تسرّع نهايتها بيديها. إن محاولة تحجيم الصين عبر إشعال جبهات المنطقة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، لتكتب شهادة وفاة الإمبراطورية الأمريكية وتبشر بزمن "تعدد الأقطاب".
​لابد أن نعي جيداً أن أي مواجهة قادمة لن تشبه سابقاتها، فنحن في زمن التطور التكنولوجي المرعب، زمن الدمار الشامل حقاً الذي قد يجعل أرقام ضحايا الحرب العالمية الثانية تبدو ضئيلة جداً أمام هلاك وشيك للبشرية.
​إن الكلفة التي ندفعها اليوم ليست سياسية فحسب، بل هي كلفة اقتصادية وإنسانية باهظة. إن جنون الذهب والفضة والانهيارات الاقتصادية الوشيكة ما هي إلا الوقود لبارود الحرب الذي يهدد بفناء ملايين البشر وتدمير اقتصادات دول بأكملها. نحن أمام كارثة إنسانية حقيقية؛ فإما أن تستفيق الشعوب لتدرك أن مصيرها يُطبخ في غرف "خفافيش الظلام" بناءً على أوهام توسعية وعقائد زائفة، وإما أننا نقرأ الآن الفاتحة على روح السلم العالمي.