مايا إبراهيم تكتب : الوجه الذي ربّى قلوبنا على المحبّة
عن ديدي فرح… التي علّمتنا كيف نُحبّ قبل أن نعرف كيف نسأل
في زمنٍ كانت فيه الطفولة أكثر طهارة، والشاشات أكثر دفئًا، أطلت ديدي فرح علينا كصديقة من عالم آخر… عالم نقيّ لا يعرف الصراخ، ولا الفوضى، ولا الرسائل المعلّبة. أطلت كوجه أموميّ، فيه شيء من الطفولة، وشيء من الحنان، وشيء من الحلم.
لم تكن ديدي مجرّد مقدّمة برنامج للأطفال، بل كانت تمشي معنا داخل أسئلتنا، تضحك معنا، وتربّت على أكتافنا حين لا نجد الجواب. في “كيف وليش”، لم تكن تُملي علينا ما يجب أن نعرفه، بل كانت تشاركنا دهشة الاكتشاف، وتحول كل حلقة إلى فسحة فرح ومعرفة، فيها من التعلّم بقدر ما فيها من الحب.
معها تعرّفنا إلى “الست حشورة” و”جوجو” و”ساعي البريد”، وأصبحوا أصدقاءنا السريّين الذين ننتظرهم كل أسبوع. كانت تغني، ترسم، تركض خلف الفكرة لتوصلها لنا بلغة تشبهنا… بلغة القلب. وفي ختام الحلقة، لم نكن نُطفئ التلفاز، بل كنا نُطفئ قطعة من ضوء جميل دخل إلى أرواحنا، وبقي.
عشرات الساعات التي قدّمتها ديدي لم تكن فقط لحظات تلفزيونية، بل كانت فصولًا من تربية جمالية وأخلاقية، صاغتها بإحساس فائق ورؤية تؤمن أن الطفل ليس متلقّيًا صغيرًا، بل كائنًا يستحق أن نخاطبه كما نخاطب الحلم.
وقبل “كيف وليش”، أو بالتوازي معه، كان لها موعد يومي لا يُنسى مع الأطفال عبر برنامج “صار وقت النوم”، حيث كانت تقرأ لنا قصة عند الساعة السادسة مساءً. كان ذلك الموعد طقسًا شبه مقدّس… صوتها الهادئ ينساب عبر الشاشة، يصحبنا إلى عوالم الخيال، ويعلّمنا أن في كل حكاية عبرة، وفي كل كلمة لمسة. لم تكن القراءة فعلًا تلقائيًا، بل كان لقاءً عاطفيًا، يربّي الخيال، ويزرع فينا حبّ القصّة واللغة والتأمل.
واليوم، بعد أن غابت الشاشة عن صوتها قليلاً، ها هي تتهيّأ للعودة. لا لأنّ الحنين ناداها، بل لأنّها تعلم أن أطفال اليوم، بأجهزتهم الذكية وتسارع إيقاعهم، ما زالوا بحاجة إلى وجهٍ يُشبه ديدي… وجهٍ يربّيهم على المحبة، ويذكّرنا نحن الكبار أن التربية، في جوهرها، هي فعل حبّ دائم.
تمامًا كما تدخل الأغاني القديمة فجأة إلى الذاكرة وتوقظ شيئًا في القلب، تعود ديدي فرح إلينا لا لتذكّرنا فقط بطفولتنا، بل لتعيد ترميم شيء عذب فينا كاد يبهت. حضورها ليس عودة إلى الماضي، بل استدعاء لما هو أصيل… لزمن كانت فيه الكلمة الطيبة تبني، والوجه المألوف يربّي، والحكاية البسيطة تُنبت فينا قيمة. هي لا تعود من أجل الأطفال فحسب، بل من أجلنا أيضًا، نحن الذين كبرنا وبقينا نبحث عن ديدي… في كل ما هو جميل.
الإعلامية مايا إبراهيم





