مايا إبراهيم تكتب : جوزف بو نصّار… نغمة الصدق في لحن الدراما اللبنانية

مايا إبراهيم تكتب : جوزف بو نصّار… نغمة الصدق في لحن الدراما اللبنانية

ثمّة وجوه في التمثيل لا تحتاج إلى صخبٍ ولا صدارة لتستقرّ في الذاكرة. يكفي أن تمرّ بنظرة، أو صوت، أو ظلٍّ خافت على الشاشة، حتى تترك أثرًا لا يُمحى. من بين هذه الوجوه، يسطع اسم جوزف بو نصّار، الفنان الذي لم يكن يومًا في قلب الضجيج، بل في صميم الجوهر.

منذ بداياته، تنقّل بو نصّار بين المسرح والتلفزيون والسينما، محافظًا على سويّة فنية رفيعة، وعلى حسّ إنساني يضخّ الحياة في كل شخصية يجسّدها، مهما بدت هامشية. لا يسعى إلى البطولة، بل إلى المعنى. لا يُراهن على عدد المشاهد، بل على عمقها وصدقيّتها. هكذا رأيناه في “الهيبة – الحصاد” بدور “ثروت”، الرجل الذي يُخفي أكثر مما يقول، وهكذا سمعناه يختزل الألم الإنساني بنبرة واحدة في “راحوا”… ممثل لا يُؤدّي، بل يَبحث عن جوهر الشخصية كما يفعل الصائغ حين يستخرج الحجر الكريم، ليصقله على مقاس روحه.

ترك بصمته في عدد من الأعمال الدرامية الحديثة، منها “النحات” و”تاج”، حيث أدّى في هذا الأخير دور الكولونيل “جول أرنو”، مقدّمًا أداءً ناضجًا لشخصية مأزومة بين السلطة والضمير، فبدا وكأنه يقطّب الجرح الأخلاقي، لا ليخفيه، بل ليحتويه.

أما في السينما، فرغم قلّة مشاركاته، كان حضوره دائمًا انتقائيًا ونخبويًا. من “بيروت يا بيروت” لمارون بغدادي، إلى “West Beirut” لزياد دويري، ثم “دخان بلا نار” و”روميو 11” الذي صُوّر في كندا، و”بطل من الجنوب” للمخرج محمّد أبو سيف (نجل المخرج المصري الكبير صلاح أبو سيف)، أثبت أنه من طينة الممثلين الذين لا يسرقون اللقطة، بل يحرّكون إحساسها. الكاميرا، بما فيها من حدس بصري، تدرك أنها تقف أمام رجل يحمل في صوته رنين التعب، وفي وجهه ملامح شعب.

لكن الخشبة تبقى موطنه الأول. منذ تجربته مع منير أبو دبس، وصولًا إلى مسرحياته الخاصة التي أخرجها في مسرحه الصغير في الجديدة، بقي المسرح له بمثابة الرئة التي يتنفّس منها المعنى، والمختبر الذي لا يكذب على الصدق.

جوزف بو نصّار ليس مجرّد ممثل. هو معلم من معالم التمثيل اللبناني، ذاكرة حيّة من زمن الالتزام، وبوصلة للوفاء الفنيّ. يشبه شجرة أرز، ضاربة بجذورها في تراب الفن، صامدة ووارفة الظل، لا تُملي شروطها على الضوء، بل تحتضنه برقيّ… كما تحتضن الذكرى مشهدًا لا يُنسى من عرضٍ مسرحيّ قديم، في صالة صغيرة، حيث لا يُسمع سوى صوت الحقيقة.
الإعلامية مايا إبراهيم