مايا إبراهيم تكتب : رجا سعادة… حين يُحلّق الحلم على جناحي الريح

مايا إبراهيم تكتب : رجا سعادة… حين يُحلّق الحلم على جناحي الريح

في وطنٍ تتشابك فيه السماء بالأمل، وتضيق فيه الأرض أحيانًا عن الأحلام، اختار رجا سعادة أن يرفع رأسه عاليًا، وأن يردّ على الضيق بالتحليق. هو ليس مجرد طيّار شراعي، بل رائد فتح للريح دروبًا في سماء لبنان، ومهندس حلم طائر ظلّ وفيًّا لحريته وللزرقة التي لا يطالها الغبار.

في بدايات التسعينات، حين كانت فكرة الطيران الشراعي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع في بلاد الأرز، كان رجا منهمكًا بتعليم الريح كيف تحتضن الإنسان. أسّس نادي Paragliding Club Thermique عام 1990، بعد سنوات من التدريب الفردي والتجارب الميدانية على مرتفعات فقرا وسد شبروح. لم تكن الانطلاقة سهلة، إذ اصطدم المشروع بالبَيروقراطيات الإدارية، وموجة من الخوف الشعبي حيال هذه الرياضة الجديدة. لكنّ إصراره حوّل الرفض إلى ترخيص، والريبة إلى ثقة، والنادي إلى قبلة للمغامرين الباحثين عن لحظة تحرّر من قيود الأرض.

ومع تطوّر النادي، حرص سعادة على أن يظلّ معيار السلامة فيه هو الأهم. لذلك، أحاط نفسه بفريق من المدرّبين والمساعدين المحترفين، خضعوا لدورات وشهادات دولية، ويمتلكون حسًا عاليًا من الانضباط والمسؤولية. ليس في النادي مجال للتجريب أو التساهل، بل لكل رحلة حساباتها الدقيقة، ولكل إقلاع استعدادٌ حازم. لذا، يُعدّ Thermique Club من بين النوادي النادرة التي لم تسجّل في تاريخها أي حادث يُذكر، وهو إنجاز يُحسب لمهنية الطاقم وثقافة الحذر التي يبثّها رجا في كل خطوة.

رجا سعادة ليس مغامرًا عاديًا. هو الرجل الذي آمن أن الطيران ليس ترفًا ولا تحدّيًا أعمى، بل رياضة نبيلة، تجدد العلاقة بين الإنسان والطبيعة. أدخل الطائرات الشراعية المزودة بمحركات إلى لبنان، فوسّع أفق الانطلاقات، وجعل البحر منطلقًا ممكنًا، لا مجرد نهاية للأرض.

في أحد أجمل مشاهد الإنسانية والطيران معًا، رافق رجا في العام 2021 المواطن اللبناني نقولا، البالغ من العمر 87 عامًا، في رحلة فوق سماء حريصا. لم يكن المشهد استعراضًا، بل تأكيدًا أن الحلم لا يعترف بالتقويم، وأن المغامرة لا تتقاعد. لحظات من الطيران كانت كافية لتوقظ ما نام من حبّ الحياة، ولتجعلنا نصدّق أن القلب يعرف كيف يُقلع متى ما تخلّى عن الخوف.

ظهر رجا في برامج إعلامية، تحدّث فيها عن شغفه، عن الحذر الذي يواكب المغامرة، وعن متعة النظر من علٍ إلى البلاد التي نحبّها رغم كل شيء. لم يكن صوته دعائيًا، بل صوت رجل قرّر أن يعلّم الناس كيف يُحلّقون، لأنهم طالما عاشوا على الأرض مجرّبين أشكالًا أخرى من الهبوط.

رجا سعادة ليس فقط من روّاد الطيران الشراعي في لبنان، بل هو شاهد حيّ على قوّة الشغف حين يُترجم إلى مشروع. في كل رحلة طيران يقودها، هناك رسائل غير مرئية يحملها الهواء: رسالة عن الإصرار، عن الأمل، عن تخطّي المألوف… عن السماء التي لا تعود حلمًا حين تفتح ذراعيها لمن يجرؤ.