مايا إبراهيم تكتب : ريمون صليبا… بهجة الكوميديا ورصانة الحضور

مايا إبراهيم تكتب : ريمون صليبا… بهجة الكوميديا ورصانة الحضور

في زحمة الوجوه وتعدّد الأصوات، يطلّ ريمون صليبا كأحد الأسماء التي لا تُنسى في الذاكرة التلفزيونية والمسرحية اللبنانية. ممثل عرف كيف يسرق الضحكة من قلب المشاهد، دون أن يفقد رصانته أو يفرّط بكرامة الدور. لا يبحث عن البطولة المطلقة، بل يخلق بطولته الخاصة من حضورٍ خفيف الظل، عميق التأثير.

بدأت رحلة صليبا من خشبة المسرح، وتحديدًا من الأعمال التي تحتفي بالإنسان وهمومه اليومية، وامتدّت لتشمل التلفزيون والسينما، فتألّق في أعمال مثل “متر ندى”، حيث جمع بين التهكّم الذكي والعفوية المحبّبة، مقدّمًا شخصية نابعة من قلب الناس، ولها وقعها الصادق على الشاشة.

وكان لافتًا حضوره في البرنامج الكوميدي السياسي الساخر “بسمات وطن”، الذي شكّل له محطة استثنائية. دخل فريق العمل بعد انطلاق البرنامج بسنة، بدعوة من المخرج شربل خليل، ونجح في أن يطبع بصمته فيه من خلال أداء تلقائي وذكي، بعيد عن المبالغة. في أحد حواراته، أوضح صليبا أنّه كان يؤدي فقط، ولم يكن يشارك في رسم سياسة البرنامج، كما أنه لم يظهر في أي سكتش يتناول الحزب الذي ينتمي إليه، في موقفٍ يدل على احترامه لموقعه الفني وفصله عن قناعاته الشخصية.

تميّزت إطلالته في “بسمات وطن” بالكاريزما، وبتجسيده لعدة شخصيات بروح نقدية ساخرة، دون أن يفقد حسّه الشعبي أو انتماءه إلى الشارع اللبناني البسيط. ونجح عبر هذه التجربة في تعزيز شعبيته، خصوصًا أن البرنامج كان من بين الأعمال الضاربة التي عكست نبض المجتمع بلغة الكوميديا.

ولأن المسرح بيته الأوّل، خاض تجربة راقية إلى جانب الأخوين صبّاغ في مسرحية “مش بس عالميلاد”، حيث أطلّ بدور مميّز أضفى عليه من روحه الطريفة ونبضه الصادق، فكان حضوره من العلامات اللافتة في العمل. ببساطته المحبّبة وحضوره الطبيعي، ترك بصمة تستحق التوقّف عندها، وذكّر الجمهور بأن التمثيل الصادق لا يحتاج إلى ضجيج كي يُلامس.

كما كانت له تجارب لافتة ومحبّبة إلى جانب أبونا فادي تابت في عدد من الأعمال المسرحية الاجتماعية التي تمزج بين النقد والضحك والإضاءة على الواقع اللبناني والعائلي، منها:
“علقة وعلّقناها”، “علقة جديدة”، و*“الحياة الجوزية”*. وقدّم من خلالها أداءً صادقًا وقريبًا من الناس، عاكسًا ببساطته وتعاطفه مع النص روحًا مرحة وناضجة في آن. تلك المسرحيات التي تنقلت بين الكنائس والمراكز الثقافية، لم تكن عروضًا عابرة، بل رسائل فنية تعبّر عن قضايا يومية بلغة محببة ووجع مضمّن بالضحك.

ريمون صليبا لا يرفع صوته ليُضحك الناس، بل يكتفي بإيماءة، بنظرة، بجملة قصيرة لا يُحسن لفظها سواه. هو ابن المدرسة البسيطة في التمثيل، التي تؤمن أن الممثل لا يحتاج إلى صخب ليصل، بل إلى صدقٍ في الأداء، ودفء في التواصل.

خلال مسيرته، تنقّل بين أدوار متنوّعة وترك في كلّ منها أثرًا لا يُمحى. لا يُصنّف في خانة الكوميديان فقط، بل هو فنان شامل، يُجيد التنقّل بين التعبير الطريف والمشهد المؤثّر بمرونة لا يملكها كثيرون.

مؤخرًا، واجه صليبا وعكة صحية أدخلته المستشفى، وفتحت الباب أمام كمّ هائل من المحبة التي يكنّها له جمهوره وأصدقاؤه. مناشدات للتبرّع بالدم، ودعوات وصلوات، دلّت كم أن هذا الرجل لم يكن مجرد ممثل على الشاشة، بل إنسان دخل القلوب من دون استئذان. وبصوته الصادق، كتب لاحقًا: “رجعت عالبيت… محبتكن كانت قوتي”.

ريمون صليبا، هو الممثل الذي لا يحتاج إلى أن يكون في كلّ مشهد ليُقال إنه نجم. يكفي أن يظهر، فيترك نكهة خاصة، كأنّه يقول: “أنا هنا… ضحكتكم لا تزال بخير”.