مايا إبراهيم تكتب : زياد مروان النجّار… حين يعتلي المسرح بظلّ أبيه وبنورٍ من ذاته
في عالمٍ تتناسل فيه الصدف والوراثة، هناك من يختار أن يرث الاسم لا كامتياز، بل كمشروع. زياد مروان النجّار لم يكن فقط “ابن مروان النجّار”، بل كان الصوت الذي تدرّب على الصمت، ثم تمرّد عليه ليكتب، ويُخرج، ويمثّل.
منذ طفولته، وهو يتنقّل بين أوراق والده وكواليس النصوص غير المكتملة، يراقب اللغة حين تصير فعلًا، والمسرح حين يصير بيتًا. في سنّ العاشرة وقف أمام الكاميرا، لكنه لم يتوقف عند حدود التمثيل، بل قرأ الشغف في عيون والده، وغاص في بحور الإخراج وكتابة السيناريو. تابع دراسته الأكاديمية حتى نال الماجستير في السينما، ليجمع بين الموهبة والعلم، وبين الحنين والتجديد.
كانت مسرحيته “وعيتي؟” مفترقًا لافتًا في تجربته. كتبها بعمر الثامنة عشرة، وأعاد تقديمها بعد سنوات بحلّة ناضجة، تجسيدًا لرؤية فنية اكتملت تحت شمس التجربة ونضج الحياة. لا يكتفي زياد بكونه مؤلفًا ومخرجًا، بل يعتلي الخشبة كممثل أيضًا، يجسّد شخوصًا متعدّدة في عرضٍ واحد، يُضحك ويُبكي، يُحرّك الأسئلة ويزرع الأمل.
“وعيتي؟” ليست فقط عنوانًا، بل سؤالٌ موجّه لجمهور اعتاد على النسيان، ورسالة من فنان يؤمن أن الضحك قد يكون أداة مقاومة. إنها كوميديا سوداء، لكنها محمّلة بإرث الوطن، بالأحلام التي طُمرت تحت الركام، وبالإيمان الذي يرفض الانطفاء.
واليوم، يُحضّر زياد عملًا مسرحيًّا جديدًا بعنوان “كذبة بالصينيّة”، من نوع الـ Vaudeville، كتب نصّه بالشراكة مع الكاتب وليد عرقجي، وهو من إخراج زياد مروان النجّار. المسرحية وفيّة إلى حدّ بعيد لأسلوب والده الكبير مروان النجّار، من حيث الإيقاع، والطرح الاجتماعي، والنكهة اللبنانية الأصيلة. العرض المرتقب سيكون على خشبة مسرح مونو ابتداءً من 15 تشرين الأول (أوكتوبر)، واعدًا بجمهور يشتاق إلى ضحكة راقية وصادقة.
زياد لا يهرب من اسم والده، بل يحمله بحبّ ومسؤولية. يُعيد اليوم بعث مسرحيات مروان النجّار، ويخطط لإعادة إحياء نصوص خالدة مثل “عمتي نجيبة” و”عريس مدري من وين”، جنبًا إلى جنب مع شقيقاته. إنه تكريمٌ لا بالتمثال، بل بالاستمرار.
هو الأستاذ الجامعي، وصاحب الرؤية، والحالم بمسرح يشبه الناس. زياد مروان النجّار لا يصنع مجدًا شخصيًا، بل يُقيم جسورًا بين جيلين: جيل قرأ النصوص على ورق، وجيل يسمعها الآن تُقال على الخشبة بروحٍ جديدة.
في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتقلّ فيه الرسائل، يظلّ زياد صوتًا يُشبه المسرح كما حلم به الآباء: حيًّا، نقيًّا، وجريئًا.
الإعلامية مايا إبراهيم






