مايا إبراهيم تكتب : سوسن أبو عفّار… حين تنطق الملامح بحكمة الأمّهات وصدق الحياة
في زحمة الأسماء، تبقى بعض الوجوه كأنّها محفورة في جدار الذاكرة، لا بفعل الصخب بل بعُمق الهدوء. من بين هؤلاء، تطلّ سوسن أبو عفّار كأنّها ظلّ شجرة شامية، لا تحتاج أن ترفع صوتها كي نلتفت، يكفي أن تمرّ، فيتوقّف المشهد ليصغي. هي ممثلة لا تعتمد على الزينة، بل على الرصيد الداخلي، على تلك البصيرة التي تجعل من الدور رسالة، لا مجرّد وظيفة. معها، تتسلّل الدراما إلى القلب، كأنها حديثٌ شخصيّ بين الممثّلة والمُشاهد، بلا وسائط.
ليست سوسن أبو عفّار مجرّد ممثّلة تمرّ على الشاشة وتترك خلفها مشاهد تُنسى، بل هي امرأة من لحم التجربة، وصوت داخلي يروي سيرة امرأة شامية تعرف طُرق الصبر كما تعرف نكهة الياسمين في أزقة دمشق. حين تطلّ، تُشبه الأمهات اللواتي نعرفهنّ جيدًا: الحنونات، الحازمات، اللواتي يربّين الأجيال ويحمين دفء البيت من رياح الخوف.
منذ تخرّجها من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق عام 1990، رسمت سوسن ملامح مسيرتها بخطى ثابتة، بدءًا من المسرح الذي شكّل لها منبر الحقيقة الأولى. فكانت لها بصمات بارزة في عروض نالت التكريم، مثل الآلية ومات ثلاث مرات، حيث التقت برؤية إخراجية من حاتم علي ومانويل جيجي، وأثبتت أنّ الخشبة تعرف وجهها تمامًا كما تعرفه الكاميرا.
تحوّلها إلى الشاشة لم يكن انتقالًا عابرًا، بل ولادة ثانية لصوتها وأدائها. في المسلسلات السورية، أدّت أدوارًا محفورة في الذاكرة، منها “أم فادي” في خريف العشّاق، و”أم الأحلام” في سباق للزواج، وغيرها من الشخصيات التي ارتكزت على الصدق أكثر من أي بريق. لم تكن تُؤدّي فقط، بل كانت تُنصت إلى نبض الدور، وتُلبسه حرارة العيش، لا برودة التمثيل.
تنوّعت أعمالها بين الاجتماعي والتاريخي، بين الدراما المعاصرة والكوميديا، فشاركت في باب الحارة 9، وأولاد آدم، ونسمات أيلول، وعندما تشيخ الذئاب، حيث أضافت حضورًا فريدًا متوازنًا بين النبرة والسكينة. كل ظهور لها هو بمثابة “ومضة”، تذكّرنا أن الفنّ الحقيقي لا يصرخ، بل يهمس بقوّة.
بعيدًا عن الكاميرا، تحمل سوسن حياة هادئة لكنها غنيّة. زوجة للممثل القدير أندريه سكاف، وأم لابنة تُدعى “سوناتا”، ورغم أنّ حياتها الخاصة ليست على رفّ الشهرة، إلا أن دفئها ينعكس على ملامحها، ويمنحها هيبة الأنثى التي عاشت كثيرًا لتصبح مرآة لوجوه الناس.
وربما أكثر ما يلفت في سوسن أبو عفّار، أنّها لا تستجدي دورًا ولا تركض خلف الأضواء. تأتيها الأدوار لأنها تستحقّها، ولأنّ المخرجين يدركون أنّها لا تحتاج إلى تكلّف لتُقنع. يكفي أن تجلس في مشهد، تنظر، تبتسم أو تصمت… كي نفهم كلّ ما لم يُقال.
هي ممثلة الأمكنة الحقيقية، والأدوار الناضجة، والأنوثة التي لا تُختزل بالزينة بل بالحكمة. ليست مجرّد فنانة، بل ذاكرة مصوّغة من الشام… بصوت منخفض، لكنه لا يُنسى.
وفي زمنٍ تكثر فيه الوجوه وتبهت، تبقى سوسن أبو عفّار مثل حنطة الخير في موسم الجفاف… صادقة، قليلة، ومشبعة بمعنى الحضور. هي التي اختارت الطريق الأصعب، لكنها وصلت إلى القلوب الأصدق. ومن بين تفاصيل الأدوار، ارتسمت صورتها كأيقونة للأمّ الهادئة، للمرأة الحكيمة، للفنانة التي تمثّل بروحها لا بوجهها فقط. ببساطة… هي من تلك القلائل الذين يُشبهون ما يُمثّلون .
الإعلامية مايا إبراهيم





