مايا إبراهيم تكتب : سيف شاهين… موسيقى تمشي على مهل في حنايا الروح
ليست كل الأصوات في الفن قادرة على أن تُلامس الأعماق. ثمة أصوات تعبر سريعًا، وأخرى تبقى، تترك شيئًا في الروح، وتعلّق في الذاكرة كأنها نشيد شخصي لكل من سمعها. من بين هذه الأصوات، يأتي سيف شاهين، الفنان العراقي الذي لا يكتفي بأن يغني، بل يُؤلّف ويُلحن ويعزف، كأن الموسيقى في داخله لا تُفصل عن الكلمة، ولا الكلمة تُولد من دون وتر.
صوت يحمل صدقًا لا يُدرَّب عليه
سيف شاهين لا يُشبه أحدًا. في صوته نبرة نادرة، مزيج من الحنان والتحدي، من الهدوء والنار المكتومة. حين يغني، يخلق ما هو أكثر من أداء، يخلق حالة. ليس بحاجة إلى استعراض تقنيات، فالتقنية الحقيقية في ما يوصله من شعور، في المساحة التي يتركها بين الكلمة والنفس، في تلوين صوته الذي لا يخون المعنى ولا يخذل الإحساس.
الغيتار… صديقه الصدوق ورفيق نبرته
قلّما نجد فنانًا يرتبط بآلة موسيقية كما يرتبط سيف بغيتاره. لا يظهر سيف شاهين على المسرح أو في جلسة خاصة إلا والغيتار بين يديه، كأنهما امتداد لبعضهما البعض. يعزف عليه، يحنو عليه، يلجأ إليه ليصوغ نغماته الأولى. هذا الغيتار لم يكن مجرّد آلة موسيقية في يد فنان، بل رفيق الطريق، وشاهد على لحظات الإلهام الأولى.
منه تنبع ألحانه. عليه يختبر صدى الجملة الأولى. ومن خلاله تُولد أغانيه التي يؤلفها بنفسه، ملحنًا وناصًّا ومُجسِّدًا. إنه من القلائل الذين لا ينتظرون ألحانًا جاهزة أو كلمات مستعارة، بل يصنعون أغانيهم كما يصنع النحات تمثاله: من فراغٍ مملوء بالحس.
مؤلفٌ موسيقي بالفطرة
وراء كل أغنية يقدّمها، هناك سيف المؤلف لا المغني فقط. يكتب لحنه كما لو كان يكتب سيرته، يخطّ جمله الموسيقية بخيال صادق، دون افتعال أو تصنّع. هذه العلاقة الحميمة بينه وبين ما يصنعه، تجعل لكل أغنية نَفَسًا خاصًا، ودفئًا لا يُفتعل.
في كل ما يقدمه، يشعر المستمع أن ما يسمعه ليس نتاج استوديو بارد، بل خلاصة تجربة، نبضة قلب، وارتجافة لحن خرج من عتمة صوته الخاص إلى فضاء الآخرين. هو ليس صوتًا يؤدي كلمات، بل كيانًا موسيقيًا متكاملًا: يكتب، يلحن، يغني، ويعزف، بروح من يروي لا من يستعرض.
حالة لا تُشبِه إلا نفسها
سيف شاهين ليس حالة فنية عابرة، ولا فنانًا محكومًا بموجة أو زمن. هو ذاته مشروع موسيقي صادق، يتطوّر بهدوء، خارج الضجيج، يكتب لنفسه أولًا، ويغني كما لو كان يهمس بسرّ، ثم يترك للجمهور أن يختار الدخول إلى عوالمه أو لا.
لكنه، بحضوره، بصوته، بغيتاره الذي يرافقه كظله، استطاع أن يصنع هذا النوع من الفن الذي لا يُشبه سواه… الفن الذي لا يُضجر، لأن فيه من الروح ما يكفي ليُسمع حتى في الصمت.
الإعلامية مايا إبراهيم





