مايا إبراهيم تكتب : شمس البارودي… الوجه الذي أنصفه النور وظلمه التحيّز

مايا إبراهيم تكتب : شمس البارودي… الوجه الذي أنصفه النور وظلمه التحيّز

في كل مرّة يُذكر فيها اسم شمس البارودي، تُستدعى سريعًا أدوارها الجريئة في السينما المصرية خلال الستينيات والسبعينيات، وكأن حياتها وتجربتها توقّفت عند تلك اللقطات، متجاهلين قرارًا إنسانيًا وروحيًا بالغ العمق، اتّخذته وهي في قمّة جمالها وشهرتها: الاعتزال، والعودة إلى الذات، ثم الحجاب.

إن اختزال مسيرة فنية وشخصية لامعة مثل شمس البارودي في مشاهد سينمائية فقط، هو ظلم صارخ لا تُمارسه الذاكرة بقدر ما يُمارسه من يُصرّون على النظر للمرأة من ثقب ضيق لا يتّسع لتحوّلها ولا يُنصف خياراتها.

فلماذا يتم تذكّر شمس دائمًا بصفتها “نجمة الإغراء”؟
أليس من المفارقة أن كثيرات من زميلاتها قدّمن مشاهد أكثر جرأة واستمررن في الأضواء لعقود، دون أن يُصبح ذلك وصمة دائمة تُلصق بهن؟
أليس من المدهش أن يُغفل الناس عن أن شمس اختارت الاعتزال بكامل إرادتها، لا تحت وطأة مرض أو انزواء أو نسيان، بل في أوج سطوعها الفني، حين كانت بطلة مطلوبة وصاحبة حضور طاغٍ؟

لقد كانت شمس البارودي واحدة من أكثر الوجوه إثارة للانتباه في السينما العربية، لا بسبب أدوارها فقط، بل لعينين تحملان حزنًا غامضًا، ووجه يجمع بين البراءة والتمرّد. لكنها أيضًا كانت إنسانة تبحث عن المعنى، وتُراجع نفسها، وتتأمل خياراتها، وهذا ما جعلها تأخذ خطوة جريئة ومغايرة تمامًا لما كان يُتوقّع منها.

حين ارتدت الحجاب واعتزلت، لم تكن تحاول الهروب من ماضٍ تخجل منه، بل كانت تتّجه إلى حاضر اختارته بروح مطمئنّة. حتّى في مقابلاتها القليلة والنادرة بعد الاعتزال، لم تتنصّل من أدوارها، بل تحدّثت عنها بصدق، كمرحلة من حياتها، لا تخفيها ولا تندم عليها، بل تضعها في مكانها الطبيعي ضمن رحلة تطوّر الإنسان وتحوّله.

من الظلم أن تُختصر المرأة في فستان أو لقطة أو مشهد. ومن الإنصاف أن نرى الصورة الكاملة: فنانة موهوبة، وإنسانة عميقة، قررت أن تُنير روحها على طريقتها.
ولعلّ أجمل ما قيل عنها، أنها غادرت المسرح طواعية، لا بعد أن أُطفئت الأضواء، بل قبل أن يخبو البريق، لأن نورًا آخر بدأ يتجلّى في داخلها.

ولأن الزمن لا يقيس عُمق التجربة بعدد الأفلام ولا بعدد مشاهد التصفيق، يبقى خيار شمس البارودي شاهدًا على امرأة عرفت متى تُنهي الفصل وتغلق الستار بكرامة، لا ندمًا.
هي ليست مجرد “ممثلة معتزلة”، بل حكاية وعي، وتجربة نضوج، ومسيرة صدق مع الذات.
فلنُعد النظر في المرآة التي نُقيّم بها الآخرين، ولنعطِ شمسها حقها في أن تُشرق كما أرادت: بعين ترى النور لا البهرجة، وبقلب اختار السلام بدل المجد الزائل.
الإعلامية مايا إبراهيم