مايا إبراهيم تكتب : طارق تميم… الممثل الذي لا يمثل
في زمنٍ بات فيه الأداء استعراضًا، والحضور مجرّد صدى، يجيء طارق تميم كموقف لا كشخص، كفعل لا كأثر، كصوت يخرج من الحنجرة إلى الضمير دون وسيط. لا تراه يُمثّل… بل يعيش. لا يتحرّك على الخشبة أو أمام الكاميرا، بل يتوغّل فيك، يُقنعك أن ما تراه ليس فنًا، بل حقيقة خالصة تُوجَع وتُضحك وتُربك.
ابن بيروت التي لا تكتم زفيرها، ولا تجمّل جراحها، طارق تميم ليس ابن المعهد فقط، بل ابن الشارع، والمقهى، والرصيف، والصوت الداخلي. بدايته مع زياد الرحباني لم تكن مصادفة، بل قدرًا جميلاً. وقف في أعمال زياد كمن يجد مرآته الأولى: “بخصوص الكرامة والشعب العنيد”، “لولا فسحة الأمل”، وغيرها من نصوصٍ تقول أشياء كثيرة دون أن ترفع صوتها.
طارق تميم لا يبحث عن البطولة، بل عن الجدوى. لا يطمح إلى الضوء بل إلى صدقه. لهذا حين غاب، شعرنا أن الشاشة فقدت أحد مبرّراتها. وحين عاد في “النار بالنار”، لم يحتج إلى ضجيج الترويج، فحضوره كان كافيًا لإشعال الحكاية. هو ممثل لا يقول الدور، بل يُعيد كتابته بجسده، ونبرته، وذاكرته الشخصية.
السينما، كعادتها، لا تحتضن إلا من يترك أثرًا، لا صوتًا فقط. في أفلامه طيف المدينة للراحل جان شمعون، Nuts للمخرج الفرنسي هنري بارجيس، وTaxi Service للمخرج إيلي خليفة، حيث نال عن أدائه فيه جائزة دولية، برز كممثل صاحب موقف وجماليات أداء مغايرة. وحتى في مشاركاته الضيفة، كما في Paparazzi، لم يكن مجرد اسمٍ إضافي في التتر، بل بصمة تُشبه ملاحظته الصامتة التي تظلّ تدوي. كما شارك أيضًا في Taxi Ballad وArzé، مؤكدًا أن تمثيله ليس مرورًا بل حضورًا يسكن الكادر ويبقى بعده.
في المسرح، عاد مؤخرًا في “تحت رعاية ذكور”، حاملًا على كتفيه وجع نصّ وكوميديا مريرة تشبهنا جميعًا. لم يكن يؤدي دوره، بل يُعرّي مجتمعًا، ويضحكنا لنفهم أكثر كم نحن في حاجة إلى الوقوف على خشبة نواجه بها أنفسنا.
في لقاءاته، لا يتكلم عن النجومية، بل عن الكتابة، عن النصوص المهمّشة، عن الكتّاب الشباب الذين لا يجدون من يسمعهم. يفتح قلبه لمايا سعيد، كاتبة يقول إنها “تكتب بدمها”، ويستنكر حصر الإنتاج بأسماء تجارية، معتبرًا أن هذا من أكبر أشكال خيانة الدراما.
طارق تميم ليس مجرّد فنان. هو ذاكرة حيّة لجمالٍ صار نادرًا، وحقيقةٍ لا تتجمّل. هو السؤال الذي تهمس به الكاميرا، والجواب الذي تكتبه التجربة. لا يُشبه أحدًا، ولا يريد. لأن من يشبه نفسه، لا يحتاج إلى أن يُقلّد أحدًا.
الإعلامية مايا إبراهيم






