مايا إبراهيم تكتب : عنود الخالد… ذاكرة دمشق تكتبها امرأة

مايا إبراهيم تكتب : عنود الخالد… ذاكرة دمشق تكتبها امرأة

في زوايا الدراما السورية، حيث الحكايا تتكئ على ذاكرة الناس، تنهض عنود الخالد ككاتبةٍ تمسك بالقلم لا لتسرد فقط، بل لتُعيد ترتيب الوجدان. ليست مجرّد مؤلفة تضع الشخصيات في مسارات، بل هي امرأة تمارس فعل الحبّ مع التفاصيل، وتغزل من الكلمات أثوابًا تشبه الروح السورية ببهجتها وهمومها، بكرامتها وتمرّدها.

عنود، ابنة دمشق بقلبها الديري، لا تكتب من فراغ، بل من خبرة العيش، ومن عينٍ تربّت على مراقبة التحوّلات. بين دفتيّ أعمالها، تمشي الشوارع القديمة، ويقفز الأطفال من جدران الحنين، وتتسلل نساءٌ قوياتٌ من نوافذ البيوت المغلقة على الأسرار. في أولاد القيمرية لم تكن دمشق مجرد خلفية، بل كانت الشخصية الأم، الشاهدة والراوية. وفي حرائر، أعادت للنساء أصواتهن المغتصبة في كتب التاريخ، فخرجت البطلات من الظلّ إلى النور، يكتبن بأنفاسهن سطورًا عن الكرامة والاختيار.

تكتب عنود كما تتنفّس، وكأن كل مشهد هو جزءٌ من سيرة ذاتية غير معلنة. تخطّ بعين الأم التي لا تسهو عن تفاصيل أبنائها، وبلغةٍ تجمع بين رقّة الذاكرة وصرامة الوعي. ومنذ بداياتها، لم تكن في موقع المراقب، بل في عمق المعادلة: تشارك في النقاش، تعترض، تغيّر، وتُصيب بدقّتها قلب المشهد.

تستحق عنود الخالد أن تُقرأ لا ككاتبة دراما فقط، بل كمثقفة تُمسك بخيوط المشهد الثقافي، وتساهم في حفظ ذاكرة المدينة من الضياع. هي شريكة الممثل والمخرج والمشاهد، لكنها قبل ذلك، شريكة الزمان السوري في جرحه وشفائه. لم تتكئ على شهرة زوجها، بل بنَت صوتها بصبرٍ وموهبة وصدق. ولم تركض وراء الأضواء، بل جعلت الضوء يأتيها في هدوء، احترامًا لمسيرتها اللامعة والصافية.

اليوم، وسط صخب الحكايات المستهلكة، تظل عنود الخالد علامة على دراما ذات محتوى، ذات هدف، وذات ضمير. امرأة تكتب لتصير الحياة أوضح، لتُرمّم الكسر في الأرواح، ولتقول لنا من دون صراخ: “ثمة جمالٌ في القصص الحقيقية، شرط أن تُروى بصدقٍ يُشبه هذا الوطن.”
الإعلامية مايا إبراهيم