مايا إبراهيم تكتب : عيسى غندور… حين يُغني النور
ليس الصوت وحده ما يصنع الفنان، بل ذلك الإشراق الخفيّ الذي يتسلّل من بين النوتات، ليوقظ فينا ذاكرة الذوق القديم وحنين الأفق المفتوح. عيسى غندور ليس مجرّد مطرب يملك طبقة صوتية دافئة، بل هو صاحب مشروع موسيقي يَعبُر الأزمنة، ويستحضر من النور ما يكفي ليُضيء دروب المستمعين.
وُلد في بيت تُعشّش فيه الموسيقى، فكان الابن الذي التقط الشعلة من والده حسن غندور، ذلك الفنان الذي جاور عمالقة الغناء العربي. لكن عيسى لم يقف عند عتبة التقليد، بل فتح لنفسه بابًا جديدًا، حيث تمتزج الأندلسيّات بالكلاسيك، وحيث اللغة العاطفية تُلبِسُ القصائد عباءة معاصرة.
صوته ليس سهلًا ولا متاحًا، بل هو ذاك النوع الذي يحتاج إلى إصغاء، إلى تفرّغ وجداني، يشبه قراءة الشعر في منتصف الليل. أغنيته الشهيرة “عيون السود” ليست مجرّد لحن طربي، بل قصيدة تُغنّى وكأنها مرآة لعاشق قديم يروي حكايته الأخيرة. أما ألبومه “دارويش” فهو تحيّة راقية لسيد درويش، أعاد عبره غندور الزمن الجميل دون أن يسرقه من روحه الخاصة.
في زمن الاستهلاك السريع، يتمهّل عيسى غندور في إنتاجه، لا لأنه بطيء، بل لأنه وفيّ لتلك الفكرة النبيلة: أن الفن لا يُقاس بالكمّ، بل بالأثر. أغنيته “سوّيها” التي خرجت من عزلة الحجر، كانت بمثابة عناق موسيقي حميم، يُربّت على قلق المستمع ويمنحه الأمل بنغمة.
هو من قلائل الذين يُمكن أن تقول عنهم إنهم يكتبون موسيقاهم كما تُكتب القصيدة. يُدخل المستمع في طقس خاص، لا هو تراث صرف ولا حداثة مفرطة، بل ذلك الحدّ الفاصل بين الذكريات والغد. أعماله مع شربل روحانا وفرقة المدينة، تجسّد هذا التلاقي النبيل بين المدرسة والتجريب، بين الجذور والسماء.
في إطلالته، في نبرة صوته، في اختياراته الموسيقية وحتى في صمته، ثمة اتّزان ساحر. وكأن عيسى غندور فنان يُتقن الإصغاء قبل الغناء، ينتظر لحظة الصدق كي يُطلق النغمة. لا يلهث خلف الشهرة، بل ينتظرها أن تمرّ صدفة عبر نغمة أو كلمة، وتقول له: أنت من أولئك القلائل الذين يعرفون كيف يُغنّى الضوء.
الإعلامية مايا إبراهيم





