مايا إبراهيم تكتب : غسان صليبا… الصوت الذي أنشد على جرح الوطن وغنّى للحبّ والكرامة

مايا إبراهيم تكتب : غسان صليبا… الصوت الذي أنشد على جرح الوطن وغنّى للحبّ والكرامة

غسان صليبا… حين يُذكر اسمه، يُفتح شريطٌ من الذهب الصوتيّ، يمتدّ من جبال لبنان الشامخة حتى مسامع من يبحثون عن الفنّ الذي يشبههم. هو ليس مجرّد فنان، بل صوتٌ دافئ وراسخ، حمل الأغنية اللبنانية على كتفيه في زمنٍ كثُرت فيه التنازلات، ومشى بثقة بين اللحن والكلمة دون أن يساوم.

بدأت انطلاقته عبر برنامج “ستوديو الفن”، حين لفت الأنظار بنبرته الصافية ولهجته الجبلية المحبّبة، ومنذ ذلك الوقت، بات اسمه معروفًا كأحد أجمل الأصوات في الساحة اللبنانية والعربية. لكن المجد لم يكن صدفة، بل ثمرة اجتهاد طويل وحبّ عميق للفن الأصيل.

 المسرح… حكاية صوت يروي ويُبهج

كانت تجربته المسرحية غنية ومتنوّعة، حيث شكّل صوته عنصرًا محوريًا في نجاح عدد كبير من الأعمال الغنائية المسرحية. بدأ مع “بترا” للأخوين رحباني، وتألّق لاحقًا في “صيف 840” التي أطلقت اسمه بقوة في فضاء المسرح الغنائي. تتابعت بعدها المشاركات المميزة في مسرحيات مثل: الوصية، أبو الطيب المتنبي، زنوبيا، ملوك الطوائف، عنتر وعبلة، أرض الغجر، جبران والنبي، وغيرها.

في هذه الأعمال، لم يكن مجرّد مؤدٍّ للأغنية، بل ناقلًا صادقًا لمشاعرها ومعانيها. وكان لصوته وقعٌ خاصّ على الخشبة، يترك أثرًا عاطفيًا في قلب الجمهور. وقد أشاد كل من عمل معه برقيه وأخلاقه العالية، مما جعله شخصًا محبوبًا ومحترمًا في الوسط الفني.

حين يُصبح الغناء مرآة للهوية

غسان صليبا لطالما التزم بخط غنائي لبناني أصيل. رفض الانزلاق نحو الأغاني الخفيفة أو الكلمات السهلة، وتمسّك بالمضمون، فكانت أعماله امتدادًا لتراث لبناني عريق. من “يا حلوة شعرك داري” إلى “وجه السعد”، “وطني بيعرفني”، و*“غريبين وليل”،* ظلّ وفيًّا للقصيدة، وللحن الذي يحترم الأذن والوجدان.

حتى حين أعاد توزيع بعض أغانيه، أضفى عليها روحًا معاصرة دون أن يخلّ بجوهرها. صوته بقي صافياً، عذبًا، يحمل طبقاتٍ من الإحساس العميق، ويُعتبر اليوم من أجمل الأصوات التي حافظت على هويّتها دون أن تنجرف خلف الموجات السائدة.

???? موقف وإنسان

حين احتدم الوجع العربي، وقف غسان صليبا بصوته لا بصمته. أوقف بعض إصداراته تضامنًا مع فلسطين، وأكّد في أكثر من مناسبة أنّ الفنان لا يمكن أن يكون بمنأى عن الأحداث الكبرى. هو فنان صاحب موقف، يُعبّر عن انحيازه للكرامة والقضايا المحقّة بلغة الفنّ، لا الشعارات.

غسان صليبا هو أحد أبرز الأصوات اللبنانية التي رافقت المسرح الرحباني، وارتبط اسمه بالفن الراقي والملتزم. جمع بين الحضور النبيل والصوت الوجداني، فصار عنوانًا للأصالة والالتزام، ورمزا للرقيّ في الأخلاق والتعامل.
صوت لا يُشبه أحدًا… ولا يشبهه سوى لبنان.
الإعلامية مايا إبراهيم