مايا إبراهيم تكتب :  كارلوس هيدموس… حين يُحلّق الحُلم فوق بيروت

مايا إبراهيم تكتب :  كارلوس هيدموس… حين يُحلّق الحُلم فوق بيروت

في زمنٍ تتهالك فيه الصورة تحت أنقاض الأخبار القاتمة، يخرج كارلوس هيدموس من جبل لبنان، لا كراوٍ للحقيقة بل كصانعٍ لحلمٍ جديد… مخرجٌ ومُصوّر جوي أعاد تعريف السماء فوق بيروت، فحوّل اللقطة من شاهد على الألم إلى مشهدٍ بصري يأسر القلب قبل العين.

نشأ كارلوس في منطقة العبّادية في جبل لبنان، وتخصّص في السمع والبصر في بيروت. لكن ما تعلّمه على المقاعد لم يكن سوى مدخلٍ لما علّمته إيّاه السماء… هناك، بين السحب، حيث علّق كاميرته على أجنحة الطائرات المُسيّرة (الدرون)، وراح يلتقط لبنانًا لم نعتده: لبنان الضوء، والماء، والتكوين البديع.

 فيلم “رويا”… حين تُصبح الأحلام بطلة

في عام 2018، كتب وأخرج فيلمه القصير “رويا” (Rüya)، ليحكي فيه قصة فتاة تبحث عن وجه والديها من خلال الحلم. فيلم من 12 دقيقة فقط، لكنه حمل من العمق ما يكفي ليُعرض في مهرجانات مرموقة منها مهرجان كان، وليُتوّج بعدّة جوائز كأفضل مخرج وأفضل سيناريو في أكثر من مهرجان حول العالم.

 الدرون… جناح الحلم في سينما كارلوس

في يد كارلوس هيدموس، لم تكن الدرون مجرّد آلة تطير، بل جناحًا جديدًا للرؤية. جعل منها رفيقةً في بحثه عن زوايا غير مألوفة، وسقفًا عاليًا لتصوّره الإنساني والجمالي. فكل لقطة من الأعلى تحمل لغة مختلفة، تكشف ما لا تراه العيون من الأرض، وتروي لبنانًا آخر… لبنان الضوء، لا الرماد.

???? الدرون: من أداة مراقبة إلى عدسة محبة

كارلوس لم يرَ في الدرون أداة تجسس أو صورة فوقية، بل نافذة نحو التجميل، نحو إعادة بناء الجغرافيا العاطفية للبنان. صوّر المرافئ، الجبال، الأزقة، والمدن بعيون عاشق، وساهم بإنتاجات وثائقية وتغطيات لصالح قنوات لبنانية وعربية وعالمية، مؤكدًا أن الإبداع لا يحتاج استوديو بل رؤية.

 “بيروت ما وراء القطع”… بازل الشغف والشفاء

بعد انفجار المرفأ عام 2020، قرّر أن يحوّل الركام إلى فن. فالتقط صورة جوية لبيروت، وأعاد تشكيلها في “بازل” مؤلف من ألف قطعة. مشروع فني وإنساني عُرض في إكسبو دبي 2020، حيث تحوّلت صورة المدينة إلى لعبة ذاكرة، تُركّب بحنان وتُستعاد قطعةً قطعة، كما نُرمّم أنفسنا بعد الانكسار. والأجمل أن جزءًا من أرباح البازل يعود لمركز سرطان الأطفال في لبنان، لأن الفن حين يلتقي بالرحمة… يُشفى العالم.

 الهوية في كل لقطة

ما يُميّز كارلوس أنه لا يصوّر من بعيد. كل عمل له يحمل شيئًا منه، من ذاكرته، من انتمائه، من غضبه وحنينه. لا يبحث عن المشهد الكامل فقط، بل عن الشعور المختبئ بين الظلال، عن نبض الوطن المتواري خلف الغبار.

???? خاتمة لا تُغلق الصورة

كارلوس هيدموس لا يزال في بداياته، لكن بصمته واضحة كطيفٍ لا يُنسى. هو من أولئك الذين لا يُشبّهون، لأنهم ببساطة لا يُشبهون أحدًا. مخرجٌ يُحلّق، لا ليهرب من الواقع، بل ليعود إليه من علٍ، بصورة أجمل… بصورة تقول: ما زال في لبنان ما يُصوّر، وما يُحلم به.
الإعلامية مايا إبراهيم