مايا إبراهيم تكتب : مارسيل مارينا… صفحة من الجمال الصامت
ليست ممثلةً فقط، بل امرأةٌ تمشي داخل الدور كما تمشي الصلاة في الروح. مارسيل مارينا، الوجه الذي لا يصرخ ليلفت، بل يهمس فيبلغ، كانت دائمًا من تلك النُخبة النادرة التي تؤمن أن التمثيل فعلُ إنصاتٍ قبل أن يكون أداء، وأنّ الفنّ مساحةٌ للكرامة، لا للضوء السريع.
في المسرح، بيتها الأول، كانت تقف كما تقف الأشجار في مواجهة الريح: ثابتة، أنيقة، جذورها عميقة في النص، وفروعها تُطاول المعنى. لم تكن تخاف النصوص الكبرى، فقدّمت الملك لير، والليلة الثانية عشرة، والسلطان الحائر، بشغف العارفة وبصمت المحترفة. خشبة المسرح لم تكن مساحة لعبٍ لها، بل محرابًا، وكانت تعرف أنّ الدور الجيد لا يُجيد لعبه إلا مَن يعرف أن يخسر نفسه ليكسب الحقيقة.
وفي الدراما التلفزيونية، تنقّلت بهدوء العارف، بين المشوار الطويل والأمانة وغنوجة بيا وحلوة وكذابة. لم تكن نجمة “بوسترات”، بل نجمة في العين والقلب، تُضيء الدور مهما كان صغيرًا، وتترك أثرًا لا يُمحى في المَشهد مهما كان عابرًا. وجهها كان يحمل تعبيرًا غير مُعلَن… ذاك التعبير الذي يجعل الشخصية حيّة حتى بعد أن تُغلق الشاشة.
أما السينما، فقد عرفت حضورها منذ بداياتها، فظهرت في أفلام مثل غارو ووداعًا لبنان وفندق الأحلام، لتُسجّل حضورًا لبنانيًا أنيقًا في زمنٍ كانت فيه السينما اللبنانية تخطّ أول سطور هويتها. كانت ترفض المبالغة، وتؤمن أن الصدق وحده يُقنع الكاميرا.
وصوتها… ذلك الصوت الرخيم الحنون، صار صديق طفولةٍ لكثيرين منّا، حين شاركت في أعمال دبلجة طبعت وجدان أجيال. بصوتها، كانت تبني العوالم، تُلبس الشخصية نفسًا لا تُنسى، وتحمل إلينا الحكاية كما تُروى للأطفال في حضن الأم.
مارسيل مارينا لم تكن يومًا أسيرة مجدٍ مُعلن، بل شاهدة على زمنٍ الفنّ فيه التزام، لا استعراض. وهي لا تزال اليوم، رغم المسافة، ممثلةً يعرفها الجيل العتيق، ويكتشفها الجيل الجديد بدهشة: من أين جاءت هذه المرأة التي تُجيد الصمت كما تُجيد النطق؟ التي تمثّل كأنها تهمس في ضمير العالم؟
مارسيل مارينا… صفحة من الجمال الصامت، ما زالت مفتوحة.
الإعلامية مايا إبراهيم





