مايا إبراهيم تكتب : مريم شقير أبو جودة… سيّدة برج المحبّة التي تنثر الكلمات وردًا

مايا إبراهيم تكتب : مريم شقير أبو جودة… سيّدة برج المحبّة التي تنثر الكلمات وردًا

في زاويةٍ من الزمن لا تشيخ، تقف مريم شقير أبو جودة كقصيدةٍ لا تنتهي، امرأةٌ نحتت من الحبر أبجديّتها، ومن الحياة قصائدها. شاعرةٌ لا تكتب فقط، بل تنبض بكلّ حرف، وتهمس للعالم بأن الكلمة إن لم تكن دفئًا فهي لا تستحق أن تُقال.

هي ليست مجرّد اسم في ذاكرة الصحافة، ولا توقيعًا في أسفل صفحة شعرية، بل روحٌ ملتصقةٌ بالكتابة، وجَناحٌ من ضوءٍ يحوم في سماء الثقافة العربية. عرفت الحياة من عنقها، وعرفت الأدب من نبضه الأول. أبحرت في الصحافة منذ بداياتها، محرّرةً ومبدعةً وصاحبة موقف، وراكمت في مسيرتها خبرةً صافية تُدهش من يعرف تفاصيلها.

بدأت مسيرتها في دار الصياد، لكنها لم تكتفِ بمسارٍ واحد. كانت مجلّات مثل “إنفينتي” و”الأنوار” و”الشبكة” صفحاتٍ لها، لكنها لم تكتب فيها فقط، بل زرعت فيها نهجًا يليق بالصدق، وباللغة، وبالمسؤولية. وعندما قدّمت برنامجها “دمعة وابتسامة في حياتي”، لم تكن مذيعة بل راوِية وجدان، تفتح دفاتر الناس كما تفتح قلبها.

أمّا في الشعر، فهي أشبه بسيدةٍ تُمسك بالغيوم وتحوّلها قصائد. نحو عشرين مجموعة شعرية كتبتها، وكل واحدة منها حقلُ نرجس، فيه وجعٌ، وفيه أمل، وفيه ذلك الحنين الرائق الذي لا يشبه إلّا مريم نفسها. شعرها لا يتزيّن، بل يتنفس، وينتمي إلى مدرسة الصدق لا الزينة. وكم من مرّة عبرت عن كونها تكتب كي لا تختنق، تكتب كي تبقى حيّة، لأن الكلمة عندها ليست مهنة بل ضرورة.

أسّست دار نشرٍ خاصّة، لأنها آمنت أنّ الأصوات الجديدة بحاجة لمن يفتح لها الباب. لم تغرها الأضواء بقدر ما أغراها الضوء الحقيقي: أن ترى شاعرًا شابًّا يُطبع للمرة الأولى، أن تلمس فرح القارئ وهو يعثر على كتاب حقيقي وسط ركام الطباعة.

يُلقّبها محبّوها بـ”ماما مريم”، لأنها لم تكن يومًا سيّدة برج عاجي، بل سيّدة برج المحبّة، التي تُنصت وتُرافق وتُساند. تكتب بفرح، وتنثر العطاء كما تنثر القصائد، وتؤمن بأن الثقافة لا تموت ما دامت المحبّة حيّة.

مريم لا تعرف التقاعد، لأن من يكتب بالشغف لا يضع قلمه جانبًا. تقولها ببساطة: “نبقى نكتب إلى أن تنقش أسماؤنا على شاهدة القبر”. وهل أجمل من هذا الإيمان؟ إنها آخر من تبقّى من جيلٍ كان يرى في الكلمة بيتًا، لا مجرّد منشور.

اليوم، في بيتها في لبنان، بين حفيدٍ يضحك، وكتابٍ يُقرأ، وسماءٍ تمطر شعرًا، ما زالت تكتب. مريم شقير أبو جودة ليست فقط اسمًا في سجل الأدب، بل علامةُ محبّةٍ تمشي على قدمين، امرأةٌ لم تُهزم رغم تغيّر العصور، وظلّت تُقابل القسوة بالشعر، واليأس بالبداية الجديدة.

سلامٌ عليها… وعلى كلّ امرأةٍ تصرّ أن تبقى القصيدة مفتوحة.
الإعلامية مايا إبراهيم