مايا إبراهيم تكتب : من همسات الطفولة إلى نبض الأثير… رحلة ڤاتشي أكاراكيان في عالم الإذاعة
لم يكن صوت الإذاعة بالنسبة لڤاتشي أكاراكيان مجرّد تردّدٍ على موجات الأثير، بل نافذةً على الحلم، وموعدًا مبكرًا مع القدَر. منذ طفولته، كان يحرص على إنهاء فروضه المدرسية باكرًا، ليرافق صديقة العائلة أناهيد باداكيان، مذيعة الفقرة الأرمنية في إذاعة صوت لبنان، في زمنٍ كانت فيه الإعلامية الكبيرة وفاء طربيه تملأ الأثير بوقارها، وكانت ماغي فرح تخطّ أولى خطواتها في الإذاعة خلال سبعينات القرن الماضي.
في كواليس الإذاعة، جلس ڤاتشي الصغير في غرفة هندسة الصوت إلى جانب بسّام طربيه، شقيق وفاء، يراقب بدهشةٍ الطقوس المذهلة للبث المباشر، ويترجم له ما تقوله أناهيد على الهواء. من هناك، بدأت أول شرارة للعلاقة الأبدية بينه وبين الميكروفون.
لكنّ البدايات لم تتوقف عند حدود الانبهار، بل تحوّلت إلى مشاركة فعلية. فسرعان ما قدّم ڤاتشي برنامجًا إذاعيًا للأطفال، من إخراج المبدع عمر الزين، وبمساعدة ميريلا يزبك، التي علّمته كيف يتحدث إلى القلوب عبر المايكروفون. علّمه عمر كيف يلفظ الكلمات، كيف يقف بثقة أمام المايك، وكيف يتحوّل صوته إلى رسالة، وكان ذلك في مرحلة المتوسّط المدرسي.
وفي عمر السادسة عشرة، انتقل إلى إذاعة جبل لبنان، حيث تعلّم من الإعلامية الكبيرة رندة المرّ أصول تقديم الفقرات والعمل على هندسة الصوت، إذ كان مقدّم البرامج يتولى بنفسه مسؤولية الصوت والإعداد والتقديم. وهناك، ساعدها أيضًا في استقبال اتصالات برنامج “ما يطلبه المستمعون”، حيث كان الفنّانون يزورون الإذاعة بكثرة، وهناك ترسّخ شغفه بالإذاعة أكثر فأكثر.
وفي عمر الثامنة عشرة، غادر إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهناك، في لوس أنجلوس، التقى بصديق له كان يملك إذاعة غير شرعية — وهي ظاهرة كانت شائعة جدًا في الثمانينات، حين أطلق العديد من المغتربين إذاعات غير مرخّصة لبث برامج بلغاتهم الأم. وكانت تُعرف هذه المحطة بـ”إذاعة جبل لبنان”.
شارك ڤاتشي في تقديم برامج على هذه الإذاعة، وانضم إليه الفنان غسّان اصطفان، الذي كان قد عمل سابقًا مع ماغي فرح في صوت لبنان. لاقت برامجهم في عطلة نهاية الأسبوع صدى واسعًا في لوس أنجلوس، إلى أن أُوقِف البث بعد سنتين بسبب التدخل الرسمي.
لفترة طويلة، ابتعد ڤاتشي عن العمل الإذاعي، وانشغل في مجالات أخرى، إلى أن عاد إلى الأثير سنة 2020، قبيل انتشار جائحة كورونا. إذ عادت إذاعة جبل لبنان – لوس أنجلوس للبث بشكل شرعي، على موجات الـFM وعلى الإنترنت، وكانت الانطلاقة الأولى من خلال تغطية مهرجانات نظّمتها الكنائس عام 2019.
بعدها، عاد إلى تقديم البرامج، فكان له برنامج أسبوعي صباح كل أحد بعنوان “دردشة الأحد”، قدّمه مع الزميلة عبير ماضي، صاحبة الحضور المحبّب والروح العفوية، والتي شكّلت معه ثنائيًا إذاعيًا مريحًا للمستمع.
ومع بداية كورونا، وبقاء الناس في بيوتهم، قدّم ڤاتشي أيضًا برنامجًا يوميًا تضمن فقرة الأبراج الصباحية، والتي كانت تشاركه في تقديمها أيضًا الزميلة عبير، بهدف تسلية المستمعين ومواكبة يومياتهم.
كما تعاون مع الزميلة ماغي ميناسيان، الإعلامية الهادئة والرصينة، على تقديم برنامج خاص بعنوان “خلّيك بالبيت”، لمواكبة فترة العزل بحسّ إنساني ومسؤول.
وشارك أيضًا في تقديم برنامج “وردة وردّة” إلى جانب الإعلامية اللبنانية مايا إبراهيم، وهو برنامج مميز حصد تفاعلًا جميلًا من الجمهور.
خلال خمس سنوات، رافق ڤاتشي المستمعين عبر الأثير، صباحًا ومساءً، عبر برامج متنوّعة مثل “صدى الاغتراب” و*“من القلب للقلب”*، التي بثّت عبر الإنترنت وتطبيق الإذاعة، وجمعت جمهورًا من مختلف أنحاء العالم.
وفي كل محطة، بقي صوته حاملًا للدفء والصدق، وصديقًا للناس أينما كانوا.
هكذا، عاد الحلم القديم ليكبر… لا كحنينٍ فقط، بل كثباتٍ في الحبّ الأوّل: حبّ الإذاعة.
ڤاتشي أكاراكيان يشبه نغمة قديمة لا تبهت. يطلّ بهدوء، ويترك أثرًا عميقًا في أذن القلب، كأنّه يهمس بما لا يُقال… ويكفي.





