مايا إبراهيم تكتب :  نقولا دانيال… الوجه الذي يروي وجع الأرض وحنين المسرح

مايا إبراهيم تكتب :  نقولا دانيال… الوجه الذي يروي وجع الأرض وحنين المسرح

ليس مجرّد ممثّل يعتلي الخشبة أو يطلّ عبر الشاشة، بل كائن مسرحيّ نادر، يحمل في صوته نبرة الحكمة، وفي ملامحه تاريخًا لا يُقال بسهولة. نقولا دانيال، هذا الرجل الذي مرّ من بين الكلمات ليجعل منها أبوابًا تُفتح على المعنى، هو أحد أعمدة الحضور الفني في لبنان وأكثرهم رسوخًا وتأثيرًا.

في حضرته، يصمت السطح ويتكلّم العمق. يُجسّد الأدوار لا من خارجها فقط، بل من داخلها، كما لو أنّه يمسك بنبضها الخفيّ ويمنحها نَفَسًا لا يُنسى. حين تراه، تشعر أنّه ليس ممثلًا فحسب، بل شاهدًا على زمنٍ بكامله: من الحروب إلى الأحلام، من المسارح شبه المنسيّة إلى الكاميرات التي تسرق الضوء لتخلّده.

في المسرح، هو عاشق أبديّ. لا يراه مجرّد مكان للعرض، بل مساحة للحقيقة، والرهبة، والإصغاء. يرى أن التمثيل حالة إيمان، وأن الخشبة لا تُخدع. لذلك، بقي وفيًّا لها، حتى حين فتحت له التلفزيونات نوافذ النجوميّة. أدّى أدوارًا في غاية التعقيد والتركيب، فكان الإقطاعي القاسي، والأب الموجوع، والحكيم الصامت، والوجه الذي يُشبه هذا الوطن المتعب.

رفض المساومة، واختار طريقه بعناد الرهبان. لم يغره الزيف، ولم تجذبه البطولات المجّانية. يقرأ النصّ بعين المثقّف، ويختار أدواره كمن ينتقي القصائد: لا مشاهد فارغة، ولا حوارات عابرة. لذا، تجده دائمًا صاحب حضور كثيف، لا يعلو بالصوت بل بالفعل، ولا يخطف الأضواء بل يُضيء.

نقولا دانيال… تلك القامة التي لا تحتاج إلى ضجيج، لأن في سكونها ما يكفي من الهيبة. هو المعلّم، والممثّل، والمفكّر المسرحيّ، الذي ترك أثره في أجيال، وكان مرآةً لقلقهم وآمالهم. وفي زمنٍ يتكاثر فيه الادّعاء، يبقى هو الحقيقة التي تمشي على الخشبة بثبات، وتهمس للجمهور بأن الفنّ لا يُمثَّل… بل يُعاش.
الإعلامية مايا إبراهيم