الجنيه المصري.. من القوة الحقيقية إلى الضعف المصطنع
كتب عبدالرحمن محمود
شهد الجنيه المصري على مدار تاريخه تقلبات حادة بين فترات من الاستقرار والقوة وبين موجات من التدهور والانخفاض.
لكن المثير في القصة ليس فقط ما جرى للجنيه بل كيف ولماذا حدث ذلك وهل ما نعيشه اليوم من ضعف في قيمة العملة هو انعكاس حقيقي للوضع الاقتصادي أم أنه ضعف مصطنع تقف وراءه سياسات وتوجهات معينة؟
في بدايات القرن العشرين كان الجنيه المصري يُصنف من بين أقوى العملات في العالم وكان يعادل أكثر من جنيه إسترليني واحد و 5 دولار امريكي .
وقد كان الجنيه مرتبطًا بالذهب ما وفر له غطاء حقيقيًا وقوة شرائية مستقرة تدعمها صادرات زراعية وصناعية مصرية مزدهرة، وميزان تجاري يكاد يكون متوازنًا.
لكن مع مرور الزمن، وخصوصًا بعد يوليو 1952، بدأت الدولة تتجه إلى التخطيط المركزي والتأميم وهي خطوات اقتصادية خفضت من الإنتاجية والابتكار ومعها بدأت العملة تتآكل تدريجيًا رغم محاولات الحفاظ على شكلها "القوي" من خلال الدعم والتحكم في الأسعار وسعر الصرف.
في نوفمبر 2016 جاء قرار تعويم الجنيه ليكون نقطة تحول فارقة في مسيرته.
ورغم أن التعويم كان ضرورة يفرضها صندوق النقد الدولي إلا أن غيابه عن قاعدة إنتاج حقيقية جعل التأثير كارثيًا على المواطن العادي. ارتفعت الأسعار وتآكلت المدخرات وبدأ الجنيه في التراجع أمام الدولار بوتيرة متسارعة.
لكن المثير للجدل أن هذا التراجع لم يكن نتيجة "طبيعية" فقط بل بفعل سياسات اقتصادية جعلت من الجنيه "أداة لتقليل العجز" وليس وسيلة لحماية المواطنين أو دعم الاقتصاد الحقيقي.
يتهم كثير من الخبراء الحكومات المتعاقبة باستخدام خفض قيمة الجنيه كحل سريع لعلاج العجز في الميزان التجاري والموازنة العامة. فكلما تراجعت الصادرات أو زاد الاقتراض الخارجي جاء الحل على حساب المواطن تقليل قيمة العملة مما يزيد من سعر الدولار ويرفع قيمة القروض الدولارية ويضاعف تكلفة الاستيراد.
هذا المنهج يؤدي إلى ضعف مصطنع لأنه لا يأتي نتيجة قوة السوق أو العرض والطلب بل بسبب قرارات إدارية أو ضغوط خارجية.
ويضاف إلى ذلك أن غالبية الاستثمارات التي تم جذبها كانت في قطاعات لا تضيف قيمة حقيقية مثل العقارات أو أدوات الدين وليس في التصنيع أو الزراعة أو التكنولوجيا.
هل يمكن إنقاذ الجنيه؟
الإجابة نعم ولكن بشروط:
1. إعادة الاعتبار للإنتاج المحلي سواء الصناعي أو الزراعي.
2. تقليل الاعتماد على الاستيراد وخصوصًا للسلع الترفيهية.
3. تشجيع الاستثمار الحقيقي لا المضاربة أو شراء الدين.
4. تحقيق استقلالية في القرار النقدي والمالي.
5. محاربة الفساد الإداري والمالي الذي يهدر موارد الدولة.
الجنيه المصري ليس ضعيفًا بطبعه بل هو ضحية منظومة لم تُعطِ الأولوية للمواطن أو الاقتصاد الحقيقي.
وما نراه اليوم من أرقام قياسية في سعر الصرف ليس انعكاسًا لقوة الدولار فقط، بل أيضًا لضعف الإرادة الاقتصادية الوطنية في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
في النهاية يبقى الجنيه مرآة حقيقية لحال الاقتصاد ولكن الأهم هل نريد لهذه المرآة أن تعكس الحقيقة أم أن نظل نُغلفها بشعارات ونختبئ وراء أرقام مصطنعة؟ الجنيه لا يحتاج لمعجزة، بل لرؤية وإرادة.





