​حكايات الشويخ - الحكاية الرابعة بضعة المصطفى وسيدة النساءالصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السلام

​حكايات الشويخ - الحكاية الرابعة بضعة المصطفى وسيدة النساءالصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السلام


بقلم عثمان الشويخ

​يا أهلاً بيكم في الحكاية الرابعة من (حكايات الشويخ).
 اليوم، قلمي يرتجف، والكلمات تتوارى خجلاً؛ فكيف لي أن أكتب عن سيدة نساء العالمين
 لو تحول البحر إلى مداد لقلمي، لنفد البحر قبل أن أفي قدر (البتول) ولو بجزء من مائة ألف جزء 

 بعد أن تحدثنا في الحكاية الثالثة عن ( السيدة فاطمة بنت أسد)،
 والتي كانت الأم الحنون والحاضنة للنبي صلى الله عليه وسلم، والتي كان يناديها "يا أماه" والتي سمى ابنته فاطمة حباً في فاطمة بنت أسد،

 ننتقل اليوم إلى (فاطمة) أخرى، هي ابنة سيد الخلق، وبضعة الرسول، والجهة المصطفوية..

 الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام، الكاملة بنت الكوامل، وأصل آل البيت. فاطمة هي (الكاملة) التي استثناها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: السيدة مريم ابنة عمران، وآسيا بنت مزاحم زوجة فرعون، والسيدة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد". هي ابنة الكوامل (محمد صلى الله عليه وسلم وخديجة الكبرى)، وهي أخت الكوامل (القاسم وعبد الله وإبراهيم ورقية وزينب وأم كلثوم)، وهي أم الكوامل (سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين).

​لقد كانت فاطمة ـ رضي الله عنها ـ أصغر بنات الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كانت زينب الأولى، ثم رُقيَّة الثانية، ثم أم كلثوم الثالثة، ثم فاطمة الرابعة، وهي أطول أولاد النبي صلى الله عليه وسلم صُحبة له وأحبهن إليه. قال ابن حجر: "كانت فاطمة أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأحبَّهنَّ إليه".

 وتعددت أسماؤها وكل اسم يحمل سراً؛ سميت فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار. وسميت الزهراء لأنها كانت إذا قامت في محرابها زهر نورها لأهل السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض. ولقبت بـ (أم أبيها)؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يناديها به تقديراً لرعايتها له، فمنذ طفولتها كانت تضمّد جراحه وتؤنس وحشته، فكانت له بمثابة الأم الرحيمة تعوضه حنان السيدة خديجة.
 وكانت أكثر الناس شبهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة، قالت: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآها أقبلت رحب بها، ثم قام إليها فقبلها، ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا أتاها النبي صلى الله عليه وسلم رحبت به ثم قامت إليه فقبلته) رواه البخاري.

​ارتبط ميلاد السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بحدث مفصلي في تاريخ مكة، حيث ولدت في العام الذي أعادت فيه قريش بناء الكعبة المشرفة، وهو العام الذي تجلت فيه حكمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة بخمس سنوات. فعندما وصل البناء إلى موضع الحجر الأسود، اشتعل النزاع بين قبائل قريش، وكاد الصراع أن يتحول إلى حرب دموية، إذ أرادت كل قبيلة نيل شرف وضع الحجر في مكانه. وبحسب المراجع التاريخية، اقترح "أبو أمية بن المغيرة" أن يحكّموا أول من يدخل عليهم من باب المسجد، فكان الداخل هو النبي محمد، وما إن رأوه حتى هتفوا بلسان واحد: "هذا الأمين، رضينا به". تجلت عبقرية النبي في إنهاء الخصومة حين بسط رداءه ووضع الحجر في وسطه، ثم أمر رؤساء القبائل المتنازعة بأن يمسكوا جميعاً بأطراف الرداء ويرفعوه، فلما بلغوا به موضعه، أخذه بيده الشريفة ووضعه في مكانه، ليحقن بذلك دماء العرب ويجمع كلمتهم. وفي تلك الأجواء التي شهدت وحدة الصف وتجديد بناء بيت الله، ولدت الزهراء لتكون امتداداً لهذا النور الطاهر، واستبشر النبي بمولدها وسماها فاطمة، ولقبت بالزهراء لإشراق وجهها بنور الإيمان، فكانت بشارة (الكوثر) التي أخرست ألسنة عتاة قريش حين نعتوا النبي بالأبتر، فجاء الرد الإلهي: (إنّ شانئك هو الأبتر).

​ولما بلغت سن الزواج، كانت محط أنظار كبار الصحابة، فتقدم لخطبتها أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما)، لكن النبي كان يعتذر برفق ويقول: "أنتظر بها القضاء". كان هذا الانتظار إشارة إلهية بأن هذا النسل المبارك يجب أن يخرج من أفضل الأصلاب وأطهرها، ليلتقي نور النبوة بنور الإمامة. وعندما تقدم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لخطبتها، وهو الذي تربى في حجر النبي وأول من أسلم من الصبيان، تهلل وجه النبي بالبشر وقال: "مرحباً وأهلاً". ولما سأله النبي عما يملكه ليكون مهراً، أخبره عليّ أنه لا يملك سوى فرسه ودرعه، فأمره النبي ببيع الدرع "الحطمية" ليجهز بثمنها العروس. وباع عليّ الدرع لعثمان بن عفان، وجاء بالثمن إلى النبي الذي وضعه في حجر بلال ليشتري به طيباً وجهازاً بسيطاً للبيت، ليعلن للعالم أن قيمة هذا الزواج ليست في المتاع الزائل، بل في اقتران سيدة نساء العالمين بمن هو "أقضاهم وأعلمهم"، ليكون منهما النسل الطاهر والذرية النبوية المستمرة إلى يوم القيامة.

​فاطمة هي الركن الركين في (أهل البيت). هي أول أصحاب الكساء الذين جللهم النبي بكسائه، وفي بيت النبوة، حدثت الواقعة العظيمة التي خلدها القرآن الكريم في آية التطهير، وهي "حادثة الكساء" التي ترويها أم سلمة (رضي الله عنها) بدقة وتفصيل. فبينما كان النبي في بيتها، اشتمل بكساء (عباءة) خيبري، ثم جاءت فاطمة فجعلها تحت الكساء، ثم جاء الحسن والحسين فأدخلهما معه، ثم جاء عليّ فأدخله تحت الكساء أيضاً. حينها رفع النبي يده نحو السماء وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً". في تلك اللحظة، نزل الوحي بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

 وعندما حاولت أم سلمة، وهي الزوجة الصالحة والمقربة، أن تشاركهم هذا الشرف العظيم وسألت النبي: "وأنا معهم يا رسول الله؟"، أجابها النبي بحزم مشوب باللطف: "إنكِ على خير، وإنكِ من أزواج النبي"، لكنه لم يدخلها تحت الكساء، تأكيداً على أن "أهل البيت" المقصودين في هذه الآية هم هؤلاء الخمسة تحديداً (أصحاب الكساء).
​ولم يتوقف تشريفها عند هذا الحد، بل كانت الزهراء هي الركن الأساس في حادثة "المباهلة" مع نصارى نجران، حين خرج النبي محتضناً الحسين وآخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي يمشي خلفها، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. ثبت في صحيح مسلم والترمذي عن سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً عند نزولها.
 فكانت فاطمة هي "نساءنا" التي باهل بها النبي العالم أجمع.
​وفي حقها صدحت الأسانيد بأعظم الأحاديث، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها) رواه مسلم، وقال: (فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني) رواه البخاري. وهذا التصريح النبوي هو توثيق لمقامها الإلهي الذي يربط رضا الله ورسوله برضاها. وقال صلى الله عليه وسلم لها: (يا فاطمة، ألا ترضَينَ أن تكوني سيدة نساءِ المؤمنين، أو سيدة نساءِ هذه الأمة؟) رواه البخاري، وفي رواية أخرى: (أما تَرْضَيْنَ أن تكوني سيدة أهل الجنة، أو نساء المؤمنين؟). وكان يقول عنها: "فاطمة روحي التي بين جنبي" (رواه ابن عساكر)، وقال: "أحب أهلي إلي فاطمة" (رواه الترمذي)، وقال صلى الله عليه وسلم: "من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد، وهي قلبي وروحي التي بين جنبي".
​عاشت الزهراء في زهد وعبادة، وهي التي قالت عن دستور حياتها: "حبب إلي من دنياكم ثلاث: تلاوة كتاب الله، والنظر في وجه رسول الله، والإنفاق في سبيل الله". وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ (الشورى: 23) ذكرت العديد من المصادر التفسيرية والحديثية أن "القربى" هم أهل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتحديداً علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام).
 وعلى الرغم من أن السيدة فاطمة الزهراء هي من هي؛ بنت خير الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وزوجة الإمام الغالب علي بن أبي طالب، ومع ذلك ظلت تطحن خبزها بيديها حتى أثرت الرحى في يدها، وتقوم الليل حتى تتورم قدماها، وكانت قمة في الحياء؛ فقد استقبحت أن تُحمل النساء على آلة خشبية يصفها الثوب، فكانت أول من صُنع لها (النعش المغطى) في الإسلام بطلب منها للسيدة أسماء بنت عميس.

​ولفاطمة ـ رضي الله عنها ـ موقف مع أبيها صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي تُوفي فيه، أظهر علو منزلتها. فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (أقبلت فاطمة تمشي ما تُخطئُ مِشيتُها من مِشيةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فلما رآها رحَّب بها فقال: مرحبًا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه، ثم سارَّها فبكت بكاءً شديداً، فلما رأى جزَعَها سارَّها الثانية فضحكت). فأخبرتها لاحقاً: (أما حين سارَّني في المرةِ الأولى، فأخبَرَني أنَّ جبريل كان يُعارِضُه القرآن في كلِّ سنة مرةً أو مرتين، وإنه عارضَه الآنَ مرَّتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب.. فبكيتُ. فلما رأى جزَعي سارَّني الثانيةَ فقال: يا فاطمة! أما ترضَي أن تكوني سيَّدة نساء المؤمنِين، أو سيدة نساءِ هذه الأمة؟ فضحِكتُ).
​وقد توفيت ـ رضي الله عنها ـ بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، وهي في الثالثة والعشرين من عمرها (وفي أرجح الروايات الثامنة والعشرين)، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم عقب إلا من ابنته فاطمة. وأوصت أن تُدفن ليلاً ويُعفى قبرها، ليبقى سر مكان دفنها لغزاً تاريخياً يشهد على وجدها وحزنها.

 إنها فاطمة الابنة الحبيبة، الرفيقة الشفيقة، المواسية لأبيها صلى الله عليه وسلم، أم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وزوج علي ـ رضي الله عنه ـ، وهي أكثر الناس شبهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم. كما قلت في بداية كلامي، مهما كتبت فهي نقطة في بحر نور النبوة؛ نحن لا نتحدث عن شخصية تاريخية، بل عن (مشكاة) من نور الله، وعن القدوة التي لا تصلح صلاة المسلم إلا بالصلاة عليها وعلى آلها.
 رمضان مبارك عليكم، واستنونا في الحكاية الجاية مع إشراقة جديدة من حكايات آل البيت.