حكايات الشويخ - الحكاية العاشرة: "آل البيت.. فرعي النور وسفينة النجاة (السيدة نفيسة والإمام زيد بن علي)
بقلم عثمان الشويخ
يا أهلاً بيكم في عاشر حكاياتنا الرمضانية من (حكايات الشويخ بجريدة الأنباء الدولية)، وهي الحكاية التي ينتهي بها القسم الأول من سلسلتنا عن "آل البيت"، وإن كان الحديث عنهم ومحبتهم والسير على نهجهم وتعاليمهم باقية إلى يوم الدين.
حكايتنا اليوم تضم فرعين طاهرين؛ فرع الإمام الحسن (السيدة نفيسة)، وفرع الإمام الحسين (الإمام زيد بن علي)، لنرى كيف اجتمع النور بالعلم والشجاعة.
الجزء الأول: نفيسة العلم والدارين (السيدة نفيسة)
النهاردة حكايتنا عن شخصية كلنا في مصر بنحبها وبنروح نزورها، لكن خلونا نكون صرحاء.. في أجيال جديدة ونشء طالع ممكن يكون بيسمع الاسم بس ميعرفش التفاصيل، وممكن لو سألته يقولك دي أخت السيدة فاطمة الزهراء، ويخلط بينها وبين أبناء النبي صلى عليه وسلم مباشرة.
والحقيقة إن هدفنا من هذه السلسلة ، وأنا أولكم، إننا نقرأ التاريخ ونستفيد منه، ونعرف قيمة الشخصيات العظيمة دي اللي مصر محفوظة ببركتهم وبحبهم.
السيدة نفيسة، وُلدت في مكة المكرمة سنة ١٤٥ هجرية، هي نفيسة بنت الحسن الأنور بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى بن علي بن أبي طالب، يعني هي من "فروع" الشجرة النبوية الطاهرة. وجدها الحسن المثنى بن الحسن هو البطل الذي كان حاضراً في كربلاء مع عمه الحسين، وهو الناجي من تلك الملحمة بعد أن أُصيب بجروح كبيرة، ومنه استمر هذا النسل المبارك.
لُقبت بألقاب عديدة تعكس مكانتها، منها: "نفيسة العلم"، و"نفيسة الدارين"، و"النفيسة الطاهرة".
كانت عالمة متبحرة، تركت خلفها إرثاً كبيراً، ويُذكر أنها كانت تحفظ القرآن الكريم وتفسره، ولها مجالس علمية كانت مقصداً لكبار العلماء والفقهاء في زمانها، وكانت مؤلفاتها وعلومها نبراساً يهتدي به طلاب العلم.
نشأت في المدينة المنورة، وكانت من صغرها تذهب للمسجد النبوي مع والدها وتتعلم من كبار العلماء والتابعين، لدرجة إنها حجت أكثر من ٣٠ حجة، أغلبهم كانت ماشية على رجليها ولما نورت مصر سنة ١٩٣ هجرية، المصريين استقبلوها استقبال الأساطير، لدرجة إنها من كثرة الزحام فكرت ترحل لتتفرغ للعبادة، لكن المصريين بقلوبهم المخلصة تمسكوا بها، فاستقرت في "درب السباع".
علاقتها بالإمام الشافعي:
ومن أجمل المشاهد التي نذكرها، هي علاقتها بالإمام الشافعي. تخيلوا إن إمام أهل السنة والجماعة، الإمام الشافعي، كان يزورها ويسمع منها الحديث، وكان لما يمرض يرسل لها ويقول: "قولوا لها ابن عمك الشافعي يسألك الدعاء"، فكانت تدعي له فيشفى. وفي مرضه الأخير، لما أرسل لها، قالت له جملة غريبة: "متعه الله بالنظر إلى وجهه الكريم"، ففهم الشافعي إن أجله اقترب لأن دعاءها لا يُرد، وأوصى إنها هي التي تصلي عليه صلاة الجنازة، وبالفعل لما مات، مروا بجنازته على بيتها وصلّت عليه من وراء الستر.
وقبل وفاتها، السيدة نفيسة عملت مشهد إيماني مذهل؛ حفرت قبرها بيدها داخل بيتها، وقعدت تصلي فيه وتتعبد، ويُذكر إنها ختمت فيه القرآن ٦٠٠٠ مرة ولما أحست بدنو أجلها في شهر رمضان سنة ٢٠٨ هـ، كانت صائمة، ورفضت تفطر وقالت: "وا عجباً لي، منذ ثلاثين سنة أسأل الله أن ألقاه وأنا صائمة، أفطر الآن؟".
وبدأت تقرأ سورة الأنعام، ولما وصلت لآية: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، فاضت روحها الكريمة.
مقامها الشريف في قلب المحروسة:
وعلشان نجاوب على السؤال اللي في قلوب كل المحبين؛ السيدة نفيسة مدفونة في ضريحها الشهير بـ (حي السيدة نفيسة) بالقاهرة، والذي كان يُعرف قديماً بـ "درب السباع".
هذا المكان الطاهر هو بيتها الذي عاشت فيه، وهو المكان الذي حفرت فيه قبرها بيديها وختمت فيه القرآن آلاف المرات. ورغم أن زوجها "إسحق المؤتمن" أراد نقل جثمانها للمدينة المنورة لتدفن في البقيع، إلا أن المصريين تمسكوا بوجودها بينهم، ورأى زوجها النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول له: "يا إسحق، لا تعارض أهل مصر في نفيسة، فإن الرحمة تنزل عليهم ببركتها"، فاستجابت لطلبهم وبقيت في أرضنا، لتظل روحها ونورها وبركتها محيطة بكل من يزورها ليوم الدين.
الجزء الثاني: حليف القرآن (الإمام زيد بن علي)
وزي ما اتكلمنا عن عظمة العلاقة العلمية بين الإمام الشافعي والسيدة نفيسة، الحكاية بتأكد نفس المعنى.. إن آل البيت هم أصل العلوم، ومدرسة النبوة الممتدة ليوم الدين.
النهاردة هنتكلم عن الشخصية الثائرة العالمة، التي جمعت بين الشجاعة في الميدان والتبحر في الفقه.. الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المولود سنة ٦٦ هجرية.
سيدنا زيد كان يُلقب بـ (حليف القرآن)، وهذا لقب لم يكن من فراغ، بل لأنه من صغره كان لا يفارق المصحف، لدرجة إن العلم جرى في دمه مثلما جرت الشجاعة في عروقه من جده الإمام الحسين.
وهو الإمام الذي أُخذ عنه "المذهب الزيدي"، وهو من أقرب المذاهب إلى السنّة وأكثرها اعتدالاً.
وهنا نقطة تاريخية مهمة: هل كنتم تعرفوا إن الإمام (أبو حنيفة النعمان)، صاحب أول المذاهب الأربعة، كان تلميذ ومحب ومؤيد للإمام زيد؟ أبو حنيفة كان يقول عنه: "ما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أسرع جواباً"، وكان يدعم ثورته ضد الظلم.
وهذا يعرفنا إن المدارس الفقهية الكبيرة خرجت من تحت عباءة آل البيت.
وكأن التاريخ بيعيد نفسه يا سادة مره اخرى بصورة تدمي ال??لوب.. فكما ورد في (سير أعلام النبلاء - الطبقة الثالثة - زيد بن علي رقم 5)، دعت أهل الكوفة الإمام زيد لمبايعته، وفي مشهد بيفكرنا باللي حصل مع جده الحسين، تمت المبايعة ثم كان الخذلان وجد الإمام نفسه أمام جيش جرار بجيش صغير من أصحابه، فاستشهد ببطولة بسهم أصاب رأسه (جبهته الشريفة).
ولم يكتفِ القتلة بذلك، بل قطعت الرأس بمنتهى الوحشية وأُرسلت إلى هشام بن عبد الملك، بل ولك أن تتخيل حجم المأسي التي تعرضت لها آل البيت؛ فقد نُبش قبره وصلبوا جسده الطاهر لمدة أربع سنوات في مشهد بشع لا يقبله عقل ولا دين
وفي وسط هذه المحنة حاول (الرافضة) مع الإمام زيد أن يأخذ موقفاً من الشيخين (سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر) رضي الله عنهما، ولكنه رفض ذلك بشجاعة، ولذلك صار (المذهب الزيدي) هو أقرب المذاهب إلى أهل السنة كما ذكرنا.
سيدنا زيد علمنا أن العلم "موقف". لما رأى الظلم، خرج لإعلاء كلمة الحق، واستشهد في ملحمة بطلة وهو ابن ٤٢ سنة.
وهنا نذكر لمحة مهمة لأهل مصر، وهي أن بعض المصادر التاريخية ذكرت أن الرأس الشريف للإمام زيد بن علي قد نُقلت واستقرت في مصر، وبالتحديد في حي "زينهم" داخل مسجد والده الإمام علي زين العابدين، وهو المقام الذي يتبارك به المصريون ويشعرون فيه بروحانية آل البيت.
خاتمة القسم الأول:
إحنا بنحكي هذه الحكايات عشان ولادنا يعرفوا إن مصر دي "محروسة" بجد، وإن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لما اختاروا مصر كأنهم اختاروا حضناً دافئاً يقدر قيمتهم.
آل البيت هم النور الذي نهتدي به في العلم والعمل، ومصر دائمًا كانت وستظل المحبة والوفية لهذا النسب الشريف.
تعلمنا من الإمام زيد أن كلمة الحق ثمنها حياة، وتعلمنا من السيدة نفيسة أن العلم والعبادة هما زاد الطريق إلى الله.
نختم هذا القسم بسلام على "نفيسة العلم" وعلى كل من سار على دربهم بصدق.
لقد اجتهدتُ قدر المستطاع ابتغاء مرضاة وجه الله، ولمحبة السيرة العطرة لآل البيت؛ فإن كان من صواب فمن الله، وإن كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه
رمضان مبارك عليكم، وبهذا نختم الجزء الخاص بآل البيت، واستنونا في القسم القادم من حكايات الشويخ.





