​حكايات الشويخ - الحكاية السابعة: "سيد شباب أهل الجنة.. الإمام الحسين (صرخة الحق في وجه أرذل الخلق)" ​

​حكايات الشويخ - الحكاية السابعة: "سيد شباب أهل الجنة.. الإمام الحسين (صرخة الحق في وجه أرذل الخلق)" ​

​بقلم عثمان الشويخ

​يا سيدي يا حسين يا نورنا في الحياة.. حبك فرض الإله وآله أهل النجاة
لو قالوا حبهم يا صاحبي اتهام.. قولت اتهامي عظيم أعظم من كل الكلام
لا أشتكي لا أضيق في حبهم كل عام.. لو عشت سجن العمر ألقاه خير مقام
يا آل طه لكم قلبي وروحي فداء ميلاد عزآ لنا يا قبلة للضياء 

​يا أهلاً بيكم في الحكاية السابعة من (حكايات الشويخ).

​اليوم، الحبر يمتزج بالدموع، والكلمات تنحني إجلالاً أمام ريحانة النبي.

 أنا بكتب المقال ده وفي قلبي غصة ووجع؛ فمنذ بدأت هذه السلسلة وأنا أخشى الوصول إلى هذه المحطة.. محطة مأساة الإمام الحسين.
 لكن قبل أن نبكي الحسين الشهيد، تعالوا نعرف مَن هو الحسين "الإنسان والرمز" الذي أجمعت الأرض والسماء على حبه.
​كان الحسين أشبه الناس بجده، خَلقاً وخُلقاً؛ فكان وجهه يشبه وجه النبي، وجسده يشبه جسد النبي صلى الله عليه وسلم.
 كان مهيباً، رحب الكفين، يحمل في قلبه روح السماحة النبوية حتى مع من أساء إليه، يزرع الأمل في المذنبين ويقربهم إلى الله.
​الحسين في القرآن: طهرٌ ومودة ومباهلة
​مكانة الحسين ليست مجرد عاطفة، بل هي "نص قرآني" صريح. هو أحد أركان أصحاب الكساء وآية التطهير
 {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، فالحسين طاهر بمشيئة إلهية.
 وهو "ابننا" في "آية المباهلة" حين قال الله: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ}، فخرج النبي وبيده الحسن والحسين.

 وهو القربى التي أمرنا الله بمودتها في قوله تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}. فمحبة الحسين هي "أجر الرسالة" الذي طلبه الله منا.

​لم تكن محبة النبي للحسين مجرد عاطفة جد لحفيده، وابن بنتة الصديقة فاطمة الزهراء بل كانت إشارات إلهية؛ فكان النبي يطيل سجوده حين يركب الحسين فوق ظهره خشية أن يزعجه، وكان يقطع خطبته ليحتضنه.
 والعجيب أن الأنباء بقتله كانت حاضرة منذ صغره، فتروي أم سلمة أن مَلَك القطر استأذن النبي، وأراه تربة حمراء من المكان الذي سيُقتل فيه الحسين، فصرتها أم سلمة في ثوبها، وظلت الروايات تتردد: "يُقتل بكربلاء". حتى إن الجن ناحت عليه قبل مقتله، ووجدت كلمات مكتوبة في كنائس الروم قبل بعثة النبي بثلاثمائة عام تقول: "أترجو أمة قتلت حسيناً.. شفاعة جده يوم الحساب؟".

​نبع النبوة: "حسين مني وأنا من حسين"
​في الحديث الذي يزلزل القلوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط".

 وقال عنه وعن أخيه: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة".
 وروى البخاري قول النبي: "هما ريحانتاي من الدنيا".

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فدخل الحسين وهو يتعثر في ثوبه، فنزل النبي من فوق المنبر وقطع خطبته ليحمله، ليعلم الأمة أن "هذا الغلام" هو ميزان الحب والإيمان.

​الحسين الفاتح والمجاهد
​قد يغيب عن البعض أن الحسين لم يكن عابداً في محرابه فقط، بل كان فارساً فاتحاً. فقد شارك الإمام الحسين في الفتوحات الإسلامية الكبرى، فكان في صفوف الجيوش التي فتحت شمال إفريقيا، كما شارك في الحملة الشهيرة لفتح القسطنطينية. 
كان يحمل سيف الحق لنشر رسالة جده في مشارق الأرض ومغاربها قبل أن يُغدر به في كربلاء.

​بعد استشهاد الإمام الحسن (الذي قُتل مسموماً)، وبعد موت معاوية بن أبي سفيان، تغير وجه التاريخ. الاتفاق الذي تم مع الإمام الحسن كان يقضي بأن تعود الخلافة "شورى" بين المسلمين، ولكن ما حدث كان تحويلها إلى "ملك عضوض" وأخذ البيعة ليزيد.
 وهنا وقف الحسين.. هل يبايع مثل الحسين مثل يزيد؟ رفض البيعة وخرج للإصلاح في أمة جده، ليس طالباً للسلطة، بل حارساً للدين. خرج ومعه ثلة من آل بيته (72 رجلاً)، رغم نصائح كبار الصحابة الذين حاولوا ثنيه عن الذهاب للكوفة خوفاً عليه من غدر أهلها.
ولكن الإمام الحسين كان يخشى إن تنتهك حرمة 
مدينة رسول الله 

​المواجهة: الطهر في مواجهة أرذل الخلق

​عشان نفهم المشهد أيها القراء الكرام ونعرف حجم الجريمة؛ في سنة 61 هجرية، لم يكن على ظهر الأرض شخص بكفاءة ومكانة وعلم الإمام الحسين. 
وفي المقابل، نجد حثالة البشر، شرذمة غرتهم الدنيا فباعوا دينهم بـ "ملك الري" أو بدراهم معدودة.

 حين طُلب منه مبايعة يزيد بن معاوية، قال كلمته التي صفع بها وجه التاريخ: "إن مثلي لا يبايع مثله". فالحسين يمثل نهج النبوة، ويزيد يمثل "الفسوق والمجون"، وهيهات أن يلتقيا.

​صرخة الإصلاح وغدر الرسائل
​خرج الحسين وهو يعلم مصيره، لكنه لم يخرج طلباً لدنيا، بل قال: "إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وسلم، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر". والعجيب والمؤلم، أن الذين أرسلوا له آلاف الرسائل يقولون "أقدم إلينا فإنما تقدم على جند لك مجندة"، هم أنفسهم الذين خذلوه تحت إغراء المال ورهبة السيف من ابن زياد، بل وانضموا للجيش الذي حاصره في كربلاء

​وهنا تتجلى قبح النفس البشرية في أبشع صورها. جيش جرار مدجج بالأسلحة يحاصر عترة النبي ويمنع عنهم ماء الفرات الجاري

 كيف لهؤلاء الذين عاصروا زمن النبوة، بل ومنهم من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن يغدروا بسبطه؟
​ملحمة الطف.. حين عزّ الناصر
​في العاشر من محرم، تجلت أبشع صور الخسة من جيش ابن زياد. منعوا عن الحسين وأهل بيته الماء حتى ذبلت أكباد الأطفال من العطش. وهناك برز أصحاب الحسين، الأوفياء الصادقين، الذين قالوا له: "أنبقى بعدك؟ قبّح الله العيش بعدك".
​حين وقف الحسين يخطب فيهم مذكراً إياهم بنسبه:
 "أيها الناس انسبوني من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم؟". لكن القلوب كانت قد غُلفت بالدنيا.

 ورأى الحسين أصحابه يتساقطون كالأقمار؛ ورأى ابنه "علي الأكبر" برز للقتال يُقطع بالسيوف، وكان هو أول من خرج للقتال من آل البيت وهو يرتجز: الشعر "أنا علي بن حسين بن علي نحن وآل البيت أولي بالنبي.. لا يحكم فينا ابن الدعي ". ثم الفتى القاسم بن الحسن الذي كان كفلقة القمر. وحتى الطفل الصغير "عبد الله الرضيع"، رفعه الإمام الحسين ليذوق الماء، فضربه شقي بسهم فسقط شهيداً، فرفع الحسين دمه للسماء وقال: "اللهم فاشهد".

 وحين رأى ابنه علي زين العابدين يخرج متكئاً على عصاه من شدة المرض، قال لأخته زينب: "رديه حتى لا تندثر وتنتهي ذرية رسول الله".

​وسقط حامل راية الإمام الحسين أخوه العباس وهو يحاول جلب الماء للأطفال، وقال الإمام الحسين: "الآن كسر ظهري وشمت بي عدوي".

 ووقف الحسين يناجي ربه: 
"اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة"، وكان آخر كلامه قبل الشهادة: 
"باسم الله وعلى ملة رسول الله".
​وقف الحسين وحيداً يقاتل جيشاً بأكمله قتال الأبطال، وهم يرتعدون منه هيبةً، حتى ارتكبوا جريمتهم النكراء التي يندى لها جبين الإنسانية؛ فجزوا رأسه الشريف ووضعوه على سنان الرماح، ولم يكتفوا بذلك، بل سيروا الخيول لتدوس جسده الطاهر وتهشم ضلوعه في مشهد يفوق بشاعة قتلة الأنبياء من بني إسرائيل.

​وجاء حثالة القوم كابن مرجانة يحرك بعصاه في فم الإمام الحسين، ذلك الفم الذي طالما ارتوى من ريق النبي.
 وارتفع صوت النساء، وصرخت السيدة زينب تنادي: "يا محمداه واعلياه وافاطماه واحسنا واحسينا". ولم يبقَ أحد ممن حضر مقتل الحسين إلا وعوقب في الدنيا قبل الآخرة؛ إما بالقتل، أو سواد الوجه، أو زوال الملك.

​رحلة الرأس الشريف وقلب القاهرة
​وبعيداً عن الجدل التاريخي: هل الرأس في عسقلان أم دمشق أم المدينة أم القاهرة؟

 الفكرة ليست في "المكان الجغرافي"، بل في "المكانة الوجدانية". نحن كمصريين، نحب ونعشق آل بيت النبي، وعندنا يقين أن مصر هي "كنانة الله" وملاذ العترة الطاهرة.

​تقول الروايات إن الرأس الشريف حُمل من عسقلان خوفاً عليه من الصليبيين، واستقبله المصريون يوم الثلاثاء 10 جمادى الآخرة عام 548 هجرية في مشهد مهيب؛ خرج الخليفة والوزراء والشعب "حفاة الأقدام"، وبكوا شوقاً وحزناً.
 استقر الرأس في "مشهد الحسين" الحالي، وصار هذا المكان كعبة للمحبين. سواء كان الرأس هنا أو هناك، فإن "روح الحسين" تسكن في كل بيت مصري، وحبه يجري في عروقنا مجرى الدم.

​كلمة عن "فكرة التصنيف"
​يؤلمني جداً أن البعض اليوم يحاول "تصنيفنا" لمجرد أننا نجهر بمحبة آل البيت.
 يا سادة، محبة آل بيت النبي واتباع نهجهم ليست "مذهباً"، بل هي صلب "الدين". من أحب رسول الله، أحب من أحبهم رسول الله. نحن نسير على خطى الحسين في عزته، وعلى خطى الحسن في صلحه، وعلى خطى الزهراء في طهرها، وهذا هو كمال الإيمان.

​رسالة إلى الشباب والقراء:

​لقد اجتهدتُ قدر المستطاع ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى، وأبذل قصارى جهدي لأجل أن تصلكم هذه السيرة العطرة بصدق وأمانة. هذا هو هدفنا من هذه السلسلة؛ أن نقرأ جميعاً ونستفيد ونتعرف على هذه الشخصيات العظيمة التي ضحت بكل شيء لأجل بقاء هذا الدين موحداً. 
إن الحسين لم يمت، بل مات قاتلوه وبقيت أسماؤهم في مزبلة التاريخ، وظل الحسين منارة للأحرار في كل زمان ومكان. يا شباب، تعلموا من الحسين أن كلمة الحق أغلى من الحياة.

​وختاماً، فإنما أبغي بهذا العمل مرضاة الله عز وجل، فإن كنت قد وُفقت في اجتهادي وقدمت الصواب فذلك من فضل الله ومنته، وإن كان هناك خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
​سلامٌ على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

​رمضان مبارك عليكم، واستنونا في الحكاية الجاية مع إشراقة جديدة من حكايات آل البيت.