عاطف طلب يكتب: مصر في مواجهة العاصفة الإقليمية… “اللاءات الثلاث” تحصّن الجبهة الداخلية
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتسارع تطورات الحرب وتتصاعد معها مخاوف الأسواق العالمية، خرجت الحكومة المصرية برسالة حاسمة عنوانها الطمأنة والانضباط. ثلاث “لاءات” واضحة رسمت ملامح الموقف الرسمي: لا أزمة في الدولار، لا انقطاعات في الغاز والكهرباء، ولا تلاعب في أسعار السلع. رسائل مباشرة تستهدف تثبيت الثقة، واحتواء أي ارتباك محتمل في الداخل، بينما تشتعل الأوضاع خارج الحدود.
أولًا: لا أزمة في الدولار
أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الدولة تمتلك احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، وأنه “لا توجد أزمة دولارية على الإطلاق”، مشيرًا إلى أن البنك المركزي يتحرك بمرونة كاملة لتلبية احتياجات السوق.
تصريحات مدبولي جاءت في سياق قراءة لما تشهده الأسواق العالمية من تقلبات في أسعار العملات، حيث ارتفع الدولار أمام عدد من العملات الكبرى بفعل التوترات الإقليمية، وهو ما اعتبره أمرًا متوقعًا في أجواء الحرب وعدم اليقين. لكن الرسالة الأهم كانت أن مصر “أمّنت احتياجاتها من الموارد”، وأن سوق العملة الصعبة يعمل بصورة منتظمة وفق آليات العرض والطلب.
كما وجّه رئيس الوزراء رسالة مباشرة للمواطنين بعدم الانسياق وراء الشائعات أو القلق حال حدوث تحركات طفيفة في سعر الصرف، مؤكدًا أن الظرف الراهن استثنائي بطبيعته، وأن عودة الاستقرار الإقليمي ستنعكس بدورها على استقرار المؤشرات الاقتصادية.
ثانيًا: لا انقطاعات في الغاز والكهرباء
في ملف الطاقة، أقرّ رئيس الوزراء بأن الأزمة الحالية تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية وحركة الملاحة، مع وجود ممرات ملاحية شبه متوقفة ومنشآت إنتاج غاز مهددة، ما يدفع بأسعار الطاقة عالميًا نحو الارتفاع.
غير أن الحكومة شددت على أن مصر لن تشهد انقطاعًا في التيار الكهربائي أو توقفًا لإمدادات الغاز للمصانع، بفضل استعدادات مسبقة وخطط تأمينية تم تنفيذها تحسبًا لأي تطورات.
وتستند هذه الرؤية إلى محورين أساسيين: تنويع مصادر الطاقة، وزيادة الإنتاج المحلي. وأشار مدبولي إلى أن العام الجاري سيشهد أكبر عدد من الآبار الاستكشافية، مع استهداف حفر أكثر من 106 آبار جديدة بالتعاون مع كبرى الشركات العالمية، في خطوة تعكس توجهًا استراتيجيًا لتعزيز الاكتفاء وتقليل الاعتماد على الخارج.
ثالثًا: لا تلاعب في أسعار السلع
الشق الثالث من “اللاءات” حمل طابعًا حاسمًا، إذ شدد رئيس الوزراء على أن الدولة لن تسمح بأي ممارسات احتكارية أو محاولات لإخفاء السلع ورفع أسعارها استغلالًا للظرف الإقليمي.
وأكد بوضوح أن مصر لا تواجه أزمة في تدبير العملة الأجنبية، ولا توجد عوائق أمام استيراد السلع من أي مصدر، وبأي كميات مطلوبة لتلبية احتياجات السوق المحلي. الرسالة كانت قاطعة: “لن نسمح… وأكرر لن نسمح بأي ممارسات احتكارية”.
وفي السياق ذاته، أوضح وزير المالية أحمد كجوك أن الاقتصاد المصري أظهر قدرًا من الصلابة في مواجهة التوترات، معتبرًا أن تخارج جزء من الأموال الساخنة أمر طبيعي في أوقات عدم اليقين. وأشار إلى أن تأثير الأحداث الإقليمية على البورصة والسندات الدولية المصرية ما يزال ضمن النطاق المتوقع.
كما كشف عن وجود تأمين ضد مخاطر ارتفاع أسعار نحو 50% من احتياجات مصر من المواد البترولية عبر عقود تحوّط مطبقة منذ ثلاث سنوات، وهو ما يمنح الموازنة قدرًا من الحماية في حال استمرار موجة ارتفاع الأسعار عالميًا.
بين الطمأنة والاختبار
الرسائل الثلاث لا تعني أن التحديات غابت، لكنها تعكس استعدادًا لإدارتها بأدوات احترازية ورؤية استباقية. في زمن الحروب، لا يكون التحدي في منع العاصفة، بل في تحصين الداخل من تداعياتها. ومصر، وفق التصريحات الرسمية، اختارت أن تواجه المشهد بلغة واضحة: لا أزمة، لا انقطاع، لا احتكار… والاختبار الحقيقي يبقى في استمرار القدرة على تحويل هذه “اللاءات” إلى واقع ملموس يحافظ على استقرار الدولة وثقة المواطن.





