مايا إبراهيم تكتب : الطبيب الذي يستمع إلى الجسد كما لو كان قصيدة

مايا إبراهيم تكتب : الطبيب الذي يستمع إلى الجسد كما لو كان قصيدة

في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الطب الحديث، وتضيع التفاصيل الصغيرة خلف الشاشات والتقنيات، يبرز الدكتور إدمون إبراهيم كاستثناء نادر، يُعيد إلى الطبّ روحه الأولى… تلك التي تتّكئ على الإصغاء، وعلى فهم الجسد كنصٍّ له منطقه، وتاريخه، وتعبه.

طبيبٌ لبناني، لكنه يحمل في ذاكرته وخبرته سنواتٍ طويلة من الدراسة والتمرس في الصين، حيث نهل من مدارس الطبّ الشرقي، وتخصّص في الطب الصيني التقليدي، من جامعة بكين، حاصدًا شهادتي البكالوريوس والماجستير. لم يكتفِ بالمعرفة النظرية، بل عاش تجربة الشفاء بين المعابد والعيادات، وتشرّب فلسفة التوازن بين الـ”ين” والـ”يانغ”، ليعود إلى لبنان حاملًا معه طبًا لا يكتفي بعلاج العرض، بل يغوص إلى جذر الألم.

في عيادته في الفنار – كسليك، لا يكتفي د. إبراهيم بوخز الإبر في نقاط دقيقة، بل يُمارس ما يشبه طقس الاستبصار في الجسد. يستمع إلى نبض المريض، يقرأ وجهه، يسأله عن نومه ومزاجه وطعامه، ثم يخطّ خريطة علاج تُشبه كتابةَ قصيدة، فيها من الحسّ أكثر مما فيها من الحرف.

لم يكن الطبيب العائد من الصين طبيبًا عاديًا، بل معلّمًا أيضًا. أسّس عام 2007 برنامجًا لتعليم الوخز بالإبر في جامعة القديس يوسف – USJ، وساهم في نشر الوعي حول الطب الصيني في لبنان، داعيًا إلى المزاوجة بينه وبين الطب الحديث، لا كبديلٍ بل كمُكمّل.

في جلساته، يدمج بين العلاج بالإبر، وتقنية التدليك الصيني المعروفة بـ”توينا”، وبين وصفاتٍ دقيقة من الأعشاب والغذاء الشافي. لا يتعاطى مع المرض بوصفه خللًا فقط، بل كنداء من الجسد ليُستعاد اتزانه، ويُعاد وصل ما انقطع بين النفس والبدن.

وفي حديثه، لا يُفرّق بين العلم والفن. يقول إن الطبّ الصيني يشبه إلى حدٍّ بعيد العزف على آلة قديمة… تحتاج أن تُصغي جيدًا للصوت، لا أن تراقب فقط. ولعلّ هذه الروحية هي ما يجعل مرضاه يخرجون من عيادته أخفّ، وأهدأ، وأكثر انسجامًا مع أنفسهم.

إدمون إبراهيم ليس طبيبًا فحسب، بل هو جسرٌ بين ثقافتين، وبين مدرستين في الشفاء. اختار أن يُمارس مهنته برويّة، أن يُعيد الاعتبار للّمس، للّمسؤولية، وللرؤية العميقة لما وراء الألم. وهو بذلك، لا يعالج الجسد فقط… بل يُعلّمه كيف يتذكّر أنه كان يومًا في حالة انسجام، ويقوده للعودة إليها، بنعومة الإبرة، وصدق النية.
الإعلامية مايا إبراهيم