مايا إبراهيم تكتب : جوزيف خوري… نَبضُ الكلمة في الغربة وصوتُ الهوية في المهجر
في الزمن الذي تباعدت فيه المسافات بين المهاجرين وأوطانهم، وذابت فيه ملامح الذاكرة في صقيع الاغتراب، وُجد من يصرّ على أن تُكتب الحكاية بحبر الانتماء، وأن تبقى الكلمة جسرًا من القلب إلى القلب. ذاك هو جوزيف خوري، الإعلامي اللبناني الذي جعل من قلمه بوصلةً للهوية، ومن جريدته «المستقبل» نبضًا يوميًا للجالية العربية في أستراليا.
منذ عقود، خطّ جوزيف خوري اسمه في دفتر الصحافة المهجرية، لا كناقل أخبار عابرة، بل كشاهدٍ على وقائع، وراوٍ لأحلام جاليةٍ تعبت من الحنين، لكنها لم تتعب من حبها الأول: لبنان. تدرّج خوري في المهنة بإصرار العارف بأن الصحافة ليست مهنة عابرة، بل موقف والتزام. وكم كان وفيًا لهذا الالتزام، سواء من خلال «المستقبل» أو من خلال حضوره اللافت في جريدة «التلغراف»، التي عمل فيها منذ العام 1970.
لكن «المستقبل» لم تكن مجرد صحيفة، بل نافذة على الروح. نافذة أطلّ منها جوزيف خوري على هموم الناس، على قصص النجاح والصراع، على أفراح الشتات وأوجاعه. تحوّلت الجريدة تحت رئاسته إلى منبر يُنصت إليه الجميع: المثقفون، رجال الدين، السياسيون، الفنانون، والجمهور العادي، لأنهم وجدوا فيها مرآة تعكسهم، ومرسالًا يربطهم بالأرض الأم.
جوزيف خوري لم يكن يومًا صحافيًا محايدًا بالمفهوم البارد للكلمة. كان منحازًا… إلى القيم، إلى الحقيقة، إلى الحنين النبيل. منحازًا إلى الكلمة التي تُقال بكرامة وتُكتب بمسؤولية. وحين تطلّ في أرشيف «المستقبل»، تقرأ تاريخًا من الانتماء، موثّقًا بمهنية عالية وشغف صادق.
ربما لم تُسلَّط عليه الأضواء كثيرًا كما على غيره، لكنه كان وما زال ضوءًا ثابتًا في ليل الاغتراب الطويل. رجل لم يبحث عن مجد شخصي، بل عن أثر يُبقي لبنان حاضرًا في ذاكرة أجياله المنتشرة.
في زمن تغيّرت فيه الصحافة وتبدّلت فيه الأولويات، يبقى جوزيف خوري صورة ناصعة عن الصحافي الأصيل، الذي لا يتعب من حمل رسالته، ولا يتنازل عن صدقه، ولا يرضى بأن تمرّ الكلمة دون أن تحمل أثرًا. هو من حفر اسمه على جدار الإعلام المهجري، لا ليُقال إنه مرّ… بل ليُقال إنه ترك أثرًا يُشبه لبنان: عميقًا، صادقًا، وأبديًّا.
الإعلامية مايا إبراهيم





