مايا إبراهيم تكتب : عمر ميقاتي… صوتُ المسرح وذاكرةُ الفن النبيل
في زمنٍ تتغيّر فيه معايير النجومية، ويُقاس الفنّ غالبًا بضجيجه لا بعمقه، يبقى بعض الفنانين كالنقوش على الحجر… ثابتين، أنقياء، عصيّين على النسيان. عمر ميقاتي واحد من هؤلاء. لا تسبقه شهرته، بل يسبقه أثره، وسمعته، وتاريخه المكتنز بعطاءٍ هادئ لا ضجيج فيه، بل جذرٌ عميق في تربة المسرح والفنّ والإذاعة.
⸻
???? الجذور والبدايات
حين تُذكر الأسماء التي صنعت للمسرح اللبناني هويّته، يطلّ عمر ميقاتي كواحدٍ من حَمَلة الشعلة التي لم تخفت يومًا، بل ظلّت تتّقد بالكلمة الصادقة، بالصوت الهادر، وبالرؤية التي تربط بين الماضي الأصيل والحاضر المتعطّش للجمال. هو نجل المخرج الكبير نزار ميقاتي، ومنذ نعومة أظفاره، نهل من البيت فنًّا وفكرًا، وكأن الخشبة خُلقت لتُصافح خطاه.
⸻
????️ في الإذاعة اللبنانية
في الإذاعة اللبنانية، حيث اشتغل مخرجًا لسنوات طوال، لم يكن مجرد صوت خلف المايكروفون، بل كان حاملًا لرسالة. وكرئيسٍ لقسم الإخراج في الإذاعة على مدى أكثر من عقد، ساهم في تخريج أجيال من المبدعين الذين نهلوا من درايته وانضباطه وحبّه للمهنة.
⸻
???? المسرح… بيته الأوسع
أما المسرح، فكان مجاله الأوسع. كتب وأخرج أعمالًا عديدة تنوّعت بين الجادّ والتجريبي، بين الوطني والوجودي. لم يكن يتعامل مع النصوص كمواد جامدة، بل كان يعيد توليدها على الخشبة بروح متجدّدة، وعاش التفاصيل كما لو كانت حياته بأكملها مسرحية مفتوحة على احتمالات الإبداع.
⸻
???? التمثيل الصوتي والدوبلاج
وفي الدوبلاج، حين يُغلق الستار على الوجه، يُفتح الستار على الصوت. وهنا كان عمر ميقاتي علامة فارقة، بصوته الرصين، وتلويناته الدقيقة التي منحت الشخصيات بعدًا روحيًّا فريدًا، خصوصًا في أعمال خالدة مثل يوسف الصدّيق والمختار الثقفي، حيث أضاف روحًا إنسانية عميقة للحوارات المستقاة من النصوص التاريخية والدينية.
⸻
???? المهنة الأكاديمية والتدريب الإعلامي
كأستاذ جامعي، درّس عمر ميقاتي الدراما الإذاعية في قسم الإعلام بجامعة بيروت العربية لمدّة أربع سنوات، عندما كانت الإجازة الجامعية تمتد لأربع سنوات. كما درّس اللغة والإلقاء في جامعة الجنان في طرابلس، مؤمنًا بأن الكلمة قبل أن تُقال يجب أن تُفهم وتُتقن وتُحبّ.
إضافة إلى ذلك، قدّم تدريبات في تلفزيون المستقبل على مدى خمسة عشر عامًا، علّم خلالها مخارج الحروف والإلقاء لمقدّمي البرامج والمراسلين (reporters). كما قدّم دروسًا خاصة لأشخاص أتوا من الخليج ومن فرنسا، من بينهم صحافيون من قناة 24، لتطوير أدائهم الصوتي واللغوي.
ولا يخجل يومًا من أن يُطلَب منه أداء دور في فيلم تخرّج لطالب جامعي، بل يعتبرها مشاركة شرف. شارك مع عدد كبير من الطلاب في مشاريعهم، بدافع الدعم والتشجيع، رافضًا أي مظاهر من التعالي أو النرجسية، مؤمنًا بأن من يبدأ الطريق بحاجة إلى من يرافقه، لا من يتفرّج عليه.
⸻
???? صديق الكتب ورفيق المعرفة
ثقافته لا تُختصر في اختصاصه، فهو قارئ نهم وصديق للكتب. يعرف كيف ينصت إلى الفلسفة، ويتأمل في الأدب، ويستشهد بالشعر كما يستشهد بالنصوص المسرحية، فتصبح ثقافته مرآةً لصوته، وحكمته امتدادًا لفكره العميق.
⸻
???? الحضور والرسالة
في كل ظهور له، يبقى عمر ميقاتي وفيًّا للبساطة، ورافضًا للاستعراض. مؤمنًا بأن الفنّ رسالة لا منصّة للغرور، وأن الجمهور هو مرآة المبدع الحقيقية. لم يسعَ للضوء، بل الضوء هو من تبعه، لأنه حمل جوهره في يديه.
⸻
???? التكريم والوفاء
تكريماته ليست فقط أوسمة على الجدار، بل محبة الناس، ووفاء طلابه، وذاكرة المسرح التي تحفظ اسمه بين الكبار. واليوم، وهو يضع اللمسات الأخيرة على كتابٍ عن والده الراحل نزار ميقاتي، إنما يؤرّخ لحكاية فنية ممتدّة من الأب إلى الابن، من طرابلس إلى كل مسرح لبناني.
⸻
???? خلاصة
عمر ميقاتي ليس مجرّد ممثل أو مخرج أو صوت… بل هو حالة فنية راقية، ترفض أن تكون عابرة، وتُصرّ على أن تُزرع في الذاكرة كما تُزرع الوردة في تربة خصبة: بعمق، وبصبر، وبمحبة.
في زمنٍ يركض فيه الفنّ خلف الإعجابات والتصنيفات العابرة، يختار عمر ميقاتي أن يركض خلف المعنى. لا يساوم على القيم، ولا يختصر طريقًا، بل يمشي دربًا تعبده الأصول، وتظلّل خطواته الكرامة والاتزان. هو واحد من القلائل الذين ما زالوا يؤمنون بأن الفنّ التزام… وأن الرسالة لا تموت ما دام حاملها صادقًا.
الإعلامية مايا إبراهيم








