مايا إبراهيم تكتب :  ندى بسيوني… وجه البراءة وملامح الذكاء

مايا إبراهيم تكتب :  ندى بسيوني… وجه البراءة وملامح الذكاء

في عالم الفن، ثمة وجوه لا تُشبه سواها. وجوهٌ تدخل الذاكرة بخفة الضوء، وتبقى فيها بنعومة النسيم. هكذا هي ندى بسيوني… فنانة لم تكن يومًا مجرّد ملامح جميلة، بل روحًا تفيض بالبساطة والصدق، وصوتًا يحمل في نبراته طمأنينة الأمومة وأناقة المثقفة، وحضورًا يضجّ بخفّة الظلّ ورقّة الشعور.

بين التمثيل والتعبير

خطّت ندى بسيوني خطواتها الأولى على خشبة المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث صقلتها التجربة الأكاديمية، وعلّمها المسرح أن لا تُقدَّم الشخصية بنصف إحساس. درست وتألقت، وتخرجت بامتياز، ليكون الفن خيارًا واعيًا لا مجرّد صدفة.

بدأت بأدوار صغيرة، لكنها كانت كافية لتعلن قدوم ممثلة تملك عذوبة الأداء ونقاء الحضور. المخرج عبد المنعم شكري التقط موهبتها مبكرًا، فكانت لها أولى تجاربها السينمائية في فيلم “الجوهرة”، مع قامات فنية كبيرة. ومنذ ذاك الحين، صارت ندى تمشي بخطى ناعمة لكنها واثقة على دربٍ طويل من الدراما والمسرح والسينما.

تلفزيون يُحبّها

عرفها الجمهور جيدًا عبر الشاشة الصغيرة، حيث تركت بصمة لا تمحى في عدد كبير من المسلسلات. دورها في “هوانم جاردن سيتي” كان بمثابة التاج الذي زادها ألقًا، فأدّت شخصية تنبض بالأنوثة والكرامة معًا، واستطاعت أن توازن بين الرقة والوقار في أداء فريد.

ومن المحطات المهمة في مسيرتها، مشاركتها في مسلسل “حارة برجوان” الذي صُوِّر في لبنان وعُرض على شاشة LBC، حيث تشاركت بطولته مع طارق لطفي وأحمد خليل، تحت إدارة المخرج أحمد صقر. وقد جسّدت فيه شخصية تنبض بالعمق والحضور، فأثبتت مجددًا قدرتها على التلوّن الدرامي، وعلى ترك الأثر الهادئ والدائم في ذاكرة المشاهد.

تنوّعت أدوارها بين المرأة الرومانسية، والزوجة الطيّبة، والسيدة القوية، ولم تقع يومًا في فخ التكرار. وقد تخطّت أعمالها حاجز المئة عمل بين الدراما والمسرح والسينما، ما يعكس اجتهادها المتواصل، وحضورها الفني الذي حافظ على توازنه وخصوصيته على مدى السنوات، في مشوار طويل اختارته عن قناعة واستمرّت فيه بإخلاص.

السينما والمسرح… حضور لا يُخطئه الضوء

لم تحصر ندى نفسها في قالب درامي فقط، بل خاضت غمار السينما بأدوار امتازت بالخفة والشجن، وكان أبرزها في أفلام “عيش الغراب”، “آخر ورقة” و*“ساحر النساء”. أما المسرح، فكان لها فيه تجليات خاصة، حيث اعتلت الخشبة كما تعتلي نجمةٌ سماءها، في عروض مثل “حمّام الست” و“يا مسافر وحدك”*.

الإعلام… حضور بهدوء الضوء

إلى جانب التمثيل، خاضت ندى بسيوني مجال التقديم التلفزيوني، فأدارت برامج على قناة الشمس وقناة النهار، بأسلوب راقٍ وحضور دافئ، أظهر جانبًا آخر من شخصيتها المثقفة والمتواصلة مع الناس. لم تكتفِ بأن تكون ضيفة، بل كانت محاورة ذكية تعرف كيف تُضيء مساحات الحوار بجمال روحها وسلاسة أدائها.

قلبٌ يعرف الحياة

بعيدًا عن الفن، تعيش ندى بسيوني حياة تمتلئ بالبساطة والإيمان بالخير. كانت دومًا مدافعة عن حقوق الحيوان، تملك حسًّا مرهفًا تجاه الكائنات الضعيفة، وتعبّر عن مواقفها بأمانة وشغف. لم تتردد يومًا في إبداء مواقفها الإنسانية، وظلّت أقرب إلى الناس بعفويتها وبخفة ظلّها التي ترافقها حتى في أكثر المواقف جدية.

تجربتها الإنسانية غنية، وفي حديثها عن الخيانة أو الفقد أو الأمومة، لم تكن ضحية ولا مدّعية بطولة، بل كانت مرآة لامرأة تعرف كيف تنهض، وكيف تُداوي نفسها بنفسها، بابتسامة لا تخونها حتى في الشدائد.

ندى… واحة دفء

في زمن تتسابق فيه الوجوه على الضوء، تبقى ندى بسيوني واحة دفء لا تبهت. لا تصرخ في أدائها، ولا تزاحم غيرها، لكنها تفرض حضورها بهدوء رشيق، وتذكّرنا دومًا أن التمثيل ليس استعراضًا، بل صدقًا، وأن الأناقة ليست فقط في الملبس، بل في الفكر والأسلوب والسلوك.

هي زهرة لا تُشبه غيرها، لأن عبيرها من نوع نادر… والجميلات كثيرات، لكن قليل منهنّ من يعرفن كيف يُصبحن جميلات الفن أيضًا.
الإعلامية مايا إبراهيم