مايا إبراهيم تكتب : فاروق درزي… حين يصير الصوت مرآةً للروح
منذ بداياته في أواخر السبعينات، شقّ فاروق درزي طريقه في الأثير كمن يولد من الحلم مباشرةً إلى الميكروفون. لم يكن مجرد مذيعٍ يقرأ نشرات أو يقدّم برامج، بل كان وما زال نغمةً دافئةً في ذاكرة المستمعين، وسفيرًا للصوت في زمنٍ كان فيه الصوت بيتًا وأمانًا وسفرًا في آن.
في عمرٍ صغير، دخل الإذاعة ليصير أصغر مذيع لبناني، ومنذ اللحظة الأولى، لم يُخْفِ فاروق درزي خجله الداخلي، بل جعله دافعًا لاختيار الإذاعة بيتًا، والميكروفون صديقًا. يقولها ببساطة وصدق: “لأني انطوائي، اخترت الإذاعة.” وهنا سرّه… وهنا عبقريته.
ليس غريبًا على صاحب برنامج “سهرني معك” أن يجعل الليل أكثر دفئًا، ولا على معدّ ومقدّم “Live @ 5” أن يجعل الخامسة مساءً موعدًا للبوح والترقّب. ففي كل محطة مرّ بها، من “صوت لبنان العربي” إلى “إذاعة الشرق” و*“صوت الغد”*، ثم “صوت المدينة” في سوريا، وأخيرًا إلى “ستار إف إم” في أبو ظبي، كان فاروق درزي يحفظ توقيت الحنين، ويعيد رسم الخريطة العاطفية لكل مستمع.
ليس فقط صوته ما يلفتك، بل حضوره الخفي، ذاك الذي لا يحتاج إلى شاشة ليُبهرك. أسلوبه الإذاعي خلاصة صدقٍ وأناقة. لا يصرخ، لا يثير، لا يركب موجة الضجيج… بل يختار الكلمة كما يُنتقى عطرٌ نادر، ويصيغ السؤال كما يُصاغ الشعر في لحظة صفاء.
في زمن الاستعراض والتسويق الفارغ، ظلّ درزي وفيًّا لمهنة لا تحتمل الادّعاء. حاور الكبار بتواضع الكبار، وقدّم الأغنية كما تُقدَّم وردة، وتجنّب الاستثمار في الألم، مؤمنًا أن الصوت يمكن أن يضمّد لا أن يجرح، أن يواسي لا أن يثير.
إنه عاشق بيروت، ومؤرّخ صوتها الجميل. لا يخشى البوح، ولا يُخفي تعلقه بكل ما هو إنساني وعميق. يتحدث عن محطات حياته، عن الحرب، عن الرحيل، عن سوريا، عن الذكريات، كمن يكتب رسالة حبّ إلى زمنٍ مرّ سريعًا، لكنه لم يُمحَ.
فاروق درزي ليس فقط إذاعيًّا… إنه مرآة لمرحلة، لأسلوب، لقيمة. وهو، في زمن الأصوات الكثيرة، ما زال صوته واحدًا من القلائل الذين لا يُشبهون سواهم.
الإعلامية مايا إبراهيم





