مايا إبراهيم تكتب : كاتيا دبغي… سيدة المعنى في زمن الضجيج
في زمنٍ تتزاحم فيه الأصوات وتتراجع المعايير، تبرز كاتيا دبغي كسيدة للمعنى، تُقاوم الرداءة بنبرة هادئة، وتُدافع عن الصحافة كما ينبغي لها أن تكون: جسرًا بين الحقيقة والوعي، لا مجرّد صدى لصخب المنصات.
كاتيا دبغي ليست مجرد صحافية، بل امرأة رائدة، قادت فريق “سيدتي” في بيروت لأكثر من 15 عامًا، وصاغت من حضورها ثقةً مهنية تحترم القارئ وتخاطب المرأة من موقع الندية لا الوعظ. وحين قررت خوض مغامرة مشروعها الإعلامي المستقل “نتاج”، لم تفعل ذلك بدافع الاستعراض، بل لإعادة الاعتبار للمحتوى في عصر تُغويه السرعة وتُغرقه السطحية.
من “دار الصياد” وصحيفة “الأنوار”، إلى إذاعة “صوت لبنان”، ثم إلى “سيدتي” حيث تسلّمت تحرير المجلة والموقع، كانت كاتيا دائمًا حيث يُصنع القرار، لا حيث يُعاد تكراره. تفهم الإعلام من الداخل، وتدرك أن قوته ليست في أدواته، بل في جوهره. لهذا، حين أطلقت “نتاج”، فعلت ذلك بروح من يريد بناء شيء يدوم، لا فقط شيء يُشاهَد.
في مقاربتها للإعلام، لا تغفل كاتيا عن خطر “نظام التفاهة”، ولا تتردّد في طرح الأسئلة الصعبة: أين الضمير الإعلامي من منصات تُروّج للإشاعات؟ كيف نحمي الأجيال من محتوى ترفيهي فارغ لا يُعلّم ولا يُهذّب؟ وماذا تبقّى من الصحافة حين يتحوّل الصحافي إلى مجرّد أداة جذب بصري أو ضيف دائم في “حفلات الصراخ” التلفزيونية؟
كاتيا، التي تُدرك تمامًا تحوّلات المشهد الإعلامي، لا تنكر أهمية الرقمنة، لكنها تشترط عليها أن تحترم العقل. ترفض حظر المنصات كما ترفض الانجرار وراءها بلا وعي، وتؤمن أن الإعلام لا يُضبط بالمنع، بل بالتربية والمعايير والرقابة الذكية. ومن هذا المنطلق، تُقدّم رؤاها بوضوح وهدوء، لا تستجدي الجدل، بل تُحرّض على التفكير.
في ندواتها، كما في مقالاتها، وفي مواقفها الجريئة من قضايا المرأة والمجتمع والفن، تُثبت كاتيا دبغي أن الصحافة لا تزال ممكنة… إذا كان من يمارسها مؤمنًا بها. وأن الكلمة لا تزال قادرة على التغيير… إذا كُتبت لا لتُرضي، بل لتُضيء.
في عالمٍ تتعالى فيه الأصوات ليسمع الناس بعضها، اختارت كاتيا دبغي أن تُنصت أولًا، ثم تكتب.
وفي زمنٍ يُقايَس فيه النجاح بعدد المتابعين لا بعمق الأثر، حافظت على وهج المعنى كمن يحرس شمعة في عاصفة.
هي لا تلهث خلف الترند، بل تمضي في دربها كما تعرفه:
كلمة تزنها قبل أن تُطلقها،
وفكرة لا تقولها إلا إذا كانت تحمل مسؤولية الحياة.
كاتيا دبغي ليست مجرد إعلامية،
بل نبرة صدق وسط نشاز الكلام،
وسيدة معنى… في زمنٍ يُباع فيه كل شيء إلا الضمير.
الإعلامية مايا إبراهيم





