مايا إبراهيم تكتب : كلوديا مرشيليان… حين تُصبح الدراما مرآةً للروح
في زمنٍ تتكاثر فيه النصوص وتتباعد عنها الأرواح، تظلّ كلوديا مرشيليان من الأسماء النادرة التي لا تُكتب أعمالها بالحبر فقط، بل تُكتب بالنبض، وبخبرة من عرفت الإنسان عن قرب، ولامست أعماقه عن حبّ لا استعلاء فيه ولا استعراض.
دخلت إلى قلوب الناس ممثلةً أولًا، وأثبتت حضورها على الشاشة بأدوار تركت أثرًا، لكنها وجدت في الكتابة وطنًا أرحب، وصوتًا يليق بعمقها الداخلي، فتنقّلت من التمثيل إلى الكتابة بخفّة العارف، لا بمنطق الهرب بل بمنطق الاكتمال. وسرعان ما رسّخت اسمها كواحدة من أبرز كاتبات الدراما اللبنانية والعربية، بصوت ناعم لكنه نافذ، وعين تلتقط التفاصيل من رحم الواقع.
كتبت “أجيال”، “كازانوفا”، “ما فيي”، “بردانة أنا”، “راحوا”، وغيرها من الأعمال التي لم تطرح القضايا كأرقام أو شعارات، بل جسّدت الألم والفرح والحب والخسارة كما تحدث في البيوت لا كما تُصوّر في العناوين. قدّمت النساء كما هنّ: قويات، هشّات، ضائعات، عارفات… وقدّمت الرجال كما يُحبّ أن يراهم الواقع، لا كما يُحبّ التلفزيون أن يجمّلهم.
نصوصها لا تضع الموعظة في فم البطل، بل تترك الحياة تنطقها على لسان الجميع. تجيد بناء الشخصيات بحرفيّة تُشبه عالم التحليل النفسي، فتجعل من كل شخصية كائنًا حيًّا، له ظلّ ومزاج وذاكرة وطباع، لا مجرد أداة لدفع الحبكة.
كلوديا مرشيليان ليست كاتبة من ورق، بل كاتبة من نبض. أعمالها تشبهها: راقية، مؤثرة، متصالحة مع أنوثة رقيقة لا تُستعمل للزينة، بل للفهم. ولهذا نجحت في بناء جسور مع جمهورها، لا عبر ضجيج الصيحات، بل عبر همس الحكاية الصادقة.
في عصر السرعة، حافظت كلوديا على بطء المعنى، على صبر البناء، وعلى احترام عقل المشاهد. وقد شاركت مؤخرًا في مشاريع مشتركة بين لبنان ومنصات عربية، منها أعمال رومانسية وكوميدية وأخرى ذات طابع اجتماعي حاد، مؤكدة أنّ الكتابة الجيدة تتجاوز حدود الجغرافيا إذا بقيت أمينة لجوهر الإنسان.
لعلّ سرّ نجاحها هو أنها تكتب كما تُحبّ أن يُحدّثها أحدهم: بعفويّة، برهافة، وبقليل من الضوء الذي لا يعمي، بل يرشد.
الإعلامية مايا إبراهيم





