مايا إبراهيم كتبت : سعاد هاشم… الصوت الذي مرّ كنسمةٍ من زمن الخُضرة والمسرح

مايا إبراهيم كتبت : سعاد هاشم… الصوت الذي مرّ كنسمةٍ من زمن الخُضرة والمسرح

في زمنٍ كانت فيه الإذاعة نافذة الأرواح إلى الضوء، خرج صوتها من الراديو كأنّه بلّور صافٍ. لا يُشبه غيره، ولا يتوسّل استعراضًا. كانت سعاد هاشم إحدى بنات ذلك الزمن الشفيف، حين كانت بيروت تصغي للأغنية لا لمظهر المغنّي، وتؤمن بأنّ الصوت مرآة الروح.

البداية من طرابلس والانطلاقة إلى القلوب

ولدت سعاد هاشم في بيروت، واكتشفها المخرج شكيب خوري، فأطلقها من إذاعة “نادي الزهراء” في طرابلس، قبل أن تعود إلى العاصمة وتنضمّ إلى الإذاعة اللبنانية الرسمية. هناك، بدأت ملامح مشروع فنّي ناضج يتكوّن، في زمن كان فيه الفنّ فعل شغف والتزام لا نزوة عابرة.

رفيقة زمن العمالقة

غنّت سعاد من ألحان الكبار: نقولا المني، جورج فرح، زكي ناصيف، عاصي ومنصور الرحباني، فيلمون وهبي، توفيق الباشا، وديع الصافي… لم تكن مجرّد صوت يغنّي، بل كانت روحًا تُصغي إلى اللحن وتُذيب كلمات القصيدة في دفء صوتها.

قدّمت أغنية “طير الطاير” من ألحان زكي ناصيف، وهي من الأغنيات التي ما زالت عالقة في ذاكرة من استمعوا لها في ستينيات القرن الماضي. أما أغنية “سكن الليل”، فلحّنها لها أولًا جورج فرح بصيغة لبنانية خاصة، قبل أن يعيد محمد عبد الوهاب تلحينها لتغنيها فيروز لاحقًا. وهذا وحده يكفي لقياس أثر سعاد.

سيّدة الألفيّ أغنية

تجاوز رصيدها المسجّل 2500 أغنية بين بيروت ودمشق. كانت واحدة من نجوم العصر الذهبي للإذاعة، حيث كان الفنّ يُصنع بأناة، لا بعجلة السوشيال ميديا. وعندما غنّت “يا حبيب الروح”، لم تكن تستعرض طبقات صوتها، بل كانت تهدهد الحنين ذاته.

المسرح الغنائي… رئة أخرى للغناء

وقفت على مسارح الإخوين رحباني و”فرقة الأنوار”، وشكّلت مع وديع الصافي ثنائيات غنائية في مسرحيات بقيت طيّ الذاكرة، مثل “روكز خطب روكز تجوّز” و”فيلا واتومبيل وستّ حلوة”. كانت تغنّي من الداخل، وتعرف أنّ الأغنية ليست للغنج وحده بل للحكمة، للحزن النبيل، للفرح الذي لا يصرخ.

ثمّة من يكبر ولا يشيخ

في أحد لقاءاتها القليلة، قالت سعاد: “كبرت، لكنني لم أشيخ. ما زلت أغنّي في داخلي.” وكأنّ الفنّ، بالنسبة لها، لم يكن وظيفة بل طريقة تنفّس. هي لم تُكثِر من الظهور، ولم تُجرِ سباقًا نحو الشهرة. كانت تُغني كي تقول شيئًا، لا لتُقال.

تكريم مستحق على الشاشة

رغم تواريها عن الضوء، عادت سعاد هاشم إلى الواجهة بتكريم دافئ في حلقة خاصة من برنامج “ألبوم الأصالة” على شاشة تلفزيون لبنان، قدّمها الإعلامي روبير فرنجية. كانت الحلقة تحية نادرة لصوتٍ نقي، ولفنّ لا يزال يسكن الذاكرة الجماعية. في منزلها، أطلّت بابتسامة دافئة، محاطة بالورد والكلمات الجميلة، وكأنّ الشاشة اعتذرت لها بعد طول غياب.

في الختام

سعاد هاشم ليست مجرّد صوت من أرشيف الإذاعة، بل ذاكرة حيّة لوطنٍ كان يُحسن الإصغاء، ويقدّس الجمال الهادئ. هي من الأصوات التي لو عاد الزمن، لبقيت كما هي: عفوية، شفافة، وراقية كأغنية لم تفسدها الضوضاء.
الإعلامية مايا إبراهيم