حكايات الشويخ - الحكاية التاسعة عشر: "عكاشة بن محصن.. سبقك بها عكاشة"

حكايات الشويخ - الحكاية التاسعة عشر: "عكاشة بن محصن.. سبقك بها عكاشة"


​القسم الثاني: نجوم في سماء الصحابة
​بجريدة الأنباء الدولية
​بقلم: عثمان الشويخ

​أهلاً بكم في الحكاية التاسعة عشرة من حكايات الشويخ.

 حكاية اليوم عن رجل كان "أسرع من البرق" في اغتنام الفرص؛ فدائماً ما نقول في حياتنا اليومية إن "الفرصة تأتي مرة واحدة"، وبطلنا اليوم طبق هذا المثل حرفياً، وجعل اسمه يتردد في كتب السيرة كرمز للذكاء والهمة العالية.

​سنتحدث عن "عكاشة بن محصن"، ذلك الرجل الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم جملة ما زالت تتردد حتى يومنا هذا عندما يسبق أحد غيره لفضل ما: "سبقك بها عكاشة".

​بطل اليوم هو عكاشة بن محصن بن حرثان الأسدي، من بني غنم بن دودان، حليف بني أمية ومن كبار المهاجرين الأوائل. 
لم يكن عكاشة بطلاً فحسب، بل كان من "أجمل الرجال" وجهاً وأشدهم شجاعة، ومن الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ونالوا رضا الله بنص القرآن الكريم. وهو واحد من سبعة مهاجرين من بيت واحد شهدوا غزوة "بدر"، وكأن بيتهم كان مدرسة للبطولة والسبق.

​في غزوة بدر، أبلى عكاشة بلاءً حسناً جداً لدرجة أن سيفه انكسر في يده وهو يقاتل. 
رآه النبي صلى الله عليه وسلم، وبدلاً من أن يخرجه من الميدان، أعطاه "عرجوناً من نخل" (وهو غصن نخل بسيط)، وقال له: "قاتل بهذا يا عكاشة.
 وبمجرد أن أمسكه عكاشة، وبقدرة الله ومعجزات نبيه، تحول الغصن في يده إلى سيف حديدي أبيض، قوي جداً وشديد المتن. سمى عكاشة هذا السيف بـ "العَوْن"، وظل يحارب به في كل المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن استشهد رضي الله عنه، وقد نال الشهادة وهو يحمل ذلك السيف الشاهد على معجزة النبي صلى الله عليه وسلم.

​في ذات يوم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس مع الصحابة ويصف لهم مشهد يوم القيامة والزحام، وفجأة زفّ إليهم بشرى تخلع القلوب من الفرحة قائلًا: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب، وجوههم كالقمر ليلة البدر".

​أخذ الصحابة يتساءلون: "من هؤلاء يا رسول الله؟"، فوصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بصفات "التوكل المطلق" قائلاً: "هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون (أي لا يتشاءمون)، وعلى ربهم يتوكلون.

​وسط دهشة جميع الحضور من الصحابة رضوان الله عليهم، وقف عكاشة بن محصن بسرعة البرق، لم يستغرق وقتاً في التفكير، ولم يكن لديه تردد، وقال بقوة وثبات: "يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم".
 نظر النبي صلى الله عليه وسلم لوجهه الجميل المشرق وابتسم وقال الكلمة التي ظل عكاشة يفخر بها طوال عمره: "أنت منهم". وفي هذه اللحظة، وقف صحابي آخر وقال: "يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم"، فجاء الرد النبوي الذي أصبح قانوناً في السبق: "سبقك بها عكاشة". 
لم يكن سيدنا عكاشة محظوظاً فحسب، بل كان "يقظاً"، عرف أن باب السماء مفتوح في هذه اللحظة فمد يده وأخذ الجائزة الكبرى قبل أن يُغلق الباب.

​سيدنا عكاشة لم يكن مجرد صاحب "دعوة"، بل كان بطلاً في الميدان؛ فقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وعكاشة قد بلغ من العمر 44 عاماً فقط. وفي خلافةسيدنا ابو بكر الصديق رضي الله عنه، خرج عكاشة طليعة لجيش خالد بن الوليد في حروب الردة.

​وفي مكان يُسمى "بزاخة"، واجه عكاشة طليحة بن خويلد الأسدي (الذي ادعى النبوة وقتها قبل أن يسلم لاحقاً)، وقاتل عكاشة بشجاعة أسطورية إلى أن استشهد وكانت جراحه "منكرة" من كثرتها. 
استشهد سيدنا عكاشة وهو في قمة شبابه (45 عاماً)، وكأنه كان يستعجل اللقاء بالسبعين ألفاً الذين وجوههم مثل القمر، والذين بشره بهم النبي صلى الله عليه وسلم.

​الخاتمة والرسالة
​قصة  سيدنا عكاشة تعلمنا أن "الجنة ليست بالتمنيات، بل الجنة للمسارعين". عكاشة سبق الجميع لأنه كان جاهزاً، قلبه حاضر، وعينه على الهدف. رسالة عكاشة لنا في (حكايات الشويخ): "في حياتك، عندما تجد باب خير قد فُتح، لا تقل ما زال الوقت مبكراً، أو سأنتظر لأرى ماذا سيفعل الناس.. بل كن أنت عكاشة زمانك، واغتنم الفرصة فوراً، لأن من يسبق هو من يفوز بالبشارة".

​لقد بذلت قصارى جهدي في جمع المعلومات وترتيبها والبحث عن الصحابة العظماء الذين يجهل سيرتهم للأسف الكثير منا، فإن كان من صواب فمن الله وإن كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه.

​رمضان مبارك عليكم، وانتظرونا في الحكاية القادمة من حكايات الشويخ.